هل تسعى للمجد والسلطة؟.. اصنع جمهورك فقط

إذا كنت مشغولا بهذه الدنيا ولا تكترث للحساب المفصل الذي سيواجهك على كل كلمة وموقف وتصرف في محكمة الآخرة، أو كنت غير مؤمن أصلا بهذه المحكمة، فابدأ الآن بصناعة جمهورك، وسيحققون لك المعجزات.

 

مواقع التواصل تتيح لك اليوم -ولأول مرة في تاريخ البشرية- فرصة التوجه مباشرة إلى الجمهور ومن وراء حجاب. لستَ مضطرا لإقناع أباطرة الإعلام وشركات الإنتاج وأصحاب السلطة بمنحك دقائق معدودة للتحدث إلى الجماهير كما كان الحال في الماضي، ولست مضطرا أيضا لامتلاك الشجاعة الأدبية كي تخطب في الجماهير وتخاطر بتلقي صرخاتهم وإهاناتهم وقذائف البيض والطماطم. فقط أسس لنفسك صفحات مجانية على فيسبوك وتويتر ويوتيوب، ثم قدّم نفسك للعالم من غرفة نومك دون أن تقابل أحدا، وابدأ على الفور طريقك نحو الشهرة والمجد، وحتى السلطة.

 

إذا كنت تملك موهبة ما فلست مضطرا لإقناع جمهورك بأنك مبدع فيها، أبرز موهبتك فقط واملأ الفضاء بأكبر قدر ممكن من محاولاتك.

 

أما إذا كنت مفتقرا للموهبة، فلا تقلق، لست مضطرا أيضا لإنشائها وتطويرها. افعل أي شيء غريب، قلد الآخرين أو اسرق مواهبهم وإبداعهم وحتى هراءهم، أعلن إلحادك مثلا، اشتم المقدسات، هرطق وجدّف، ابتكر نظريات تافهة، اخلع/اخلعي ملابسك أمام الكاميرا، تحدث عن الجنس، اخترع قصصا مشوقة عن ماضيك ومعاناتك وتمردك. باختصار قل أي شيء دون تحضير ولا تفكير، وإذا عجزت عن كل هذا فاجلس أمام الكاميرا صامتا ومبتسما كل يوم أربع ساعات دون أن تفعل أي شيء آخر.

 

لا تخش الفضيحة أبداً، فلو أثبت أعداؤك بالدلائل والوثائق ارتكابك مثلا جريمة الانتحال والسرقة من كبار المبدعين، فلن يخذلك جمهورك. سيشنون على الفور موجة شتائم واتهامات ضد عدوك الذي فضحك

أقسم لك أني لا أبالغ، كل ما سبق كان ناجحا فعلا في تحويل حشود من الحمقى إلى مشاهير، وفي حالات أخرى: تحويل المجرمين وحثالة قعر المجتمعات إلى شريحة طارئة على عصر سيولة الإعلام، تدعى "المؤثرون".

 

قد تتعثر كثيرا في البداية وتجد من يحبطك، فإذا كنت حساسا الجأ إلى صفحات مدربي التنمية البشرية لتنال جرعة تحفيز يومية، سيقدمون لك هذه الخدمة بالمجان لأنهم يشقون طريقهم نحو الشهرة مثلك، ويهتمون بتكثير الزبائن. أما إذا كنت بليداً بارد المشاعر، فطريقك ممدود ممدود يا ولدي.

 

في النهاية سيتجمع حولك عدد لا بأس به من الجماهير، سيصفقون لك، ويشجعونك، ويملؤون الفراغ الهائل في داخلك حتى تنتفخ. وإذا كنت صبورا بما يكفي سيتحولون بالفعل إلى جمهورك الخاص، عندها يمكنك أن تتصرف وتتحرك وتتفاعل كما يفعل زعماء المافيات والمسؤولون الفاسدون. بعبارة أخرى، ستكون لديك حصانة نسبية، وامتيازات لم تكن تحلم بها.

 

على سبيل المثال، يمكنك أن تبث لهم مشاعرك المضطربة وأمراضك النفسية فيتكاتفون حولك، وقد تطلب منهم الدعم المادي أيضا فيتبرعون عن طيب خاطر، وإذا بلغت حداً ما من الجماهيرية يمكنك أن ترتزق وتكتفي وتثري من هذه التبرعات. وربما تطلب من أحدهم/إحداهن تنازلات خاصة لا تجرؤ على ذكرها في العلن، فتقضي شهواتك أيضا بالمجان ودون فضيحة.

 

ليس هذا فحسب، فإذا نجحت بالفعل في تحقيق الجماهيرية المطلوبة، ثم بدأ أعداؤك بمهاجمتك، أو حتى فضح خوائك وكشف هرائك، فلن تكون مضطرا للدفاع عن نفسك كما كنت تفعل قبل بضع سنوات فقط، ولن تلجأ بعد اليوم إلى مدربي التحفيز ليطبطبوا على كتفيك كي تنهض من جديد، بل لن تنحني أصلا. يكفيك الآن أن تضغط على زر المشاركة لأي منشور أو تغريدة أو فيديو أعدّه أعداؤك وملأوه بفضائحك، وترفقه بجملة واحدة من قبيل: "هذا النكرة يحسدني"، واترك الباقي لجمهورك المخلص.

 

لا تخش الفضيحة أبداً، فلو أثبت أعداؤك بالدلائل والوثائق ارتكابك مثلا جريمة الانتحال والسرقة من كبار المبدعين، فلن يخذلك جمهورك. سيشنون على الفور موجة شتائم واتهامات ضد عدوك الذي فضحك، حتى لو كان أستاذا جامعيا أو فيلسوفا عظيما أو مخترعا عبقريا، سيتهمونه تلقائيا بأنه مجرد مراهق يريد أن يصعد على سلم الشهرة فوق كتفيك، والدليل القاطع هو أنهم لم يسمعوا به إلا بعدما تكرمت أنت بمشاركة منشوره، ويا له من شرف.

 

هل تظن أن هذا كل شيء؟ بالطبع لا، ستأتيك عروض لم تكن تحلم بها، ربما تستضيفك قناة فضائية أو برنامج إذاعي أو حفل أو مهرجان، وربما تُمنح فرصة لتقديم برنامجك الخاص ويكون لك استديو وفريق عمل ومدير إنتاج ينقلك من عالم الحمقى إلى المحترفين، وربما حتى يستقبلك كبار المشاهير وقادة السياسة وصناع الرأي، ليس للاستماع إلى قصة حياتك ونجاحك فحسب، بل لطلب نصيحتك ومشورتك أيضا في الشأن العام.

 

إذا كنت أكثر طموحا، واكتشفت فجأة أن كل ما سبق لم يكن سوى قشور تافهة، فضع عينك على السلطة، وتذكر أن متابعة الطريق نحو مناصب السياسة لن يكون أصعب من انطلاقتك الأولى

ستحصل حينئذ على جمهور أوسع بالملايين، وسيصمت أولئك الذين كانوا يسخرون منك في البداية، فأنت الآن نجم يسطع في السماء. وإذا تجرأ أحدهم على تذكيرك ببدايتك التافهة وفضائحك، فلم تعد مضطرا حتى لمشاركة انتقاده لك وتحريض جمهورك عليه، يكفيك فقط أن تذكّر الناس بأن عدّاد معجبيك قد بلغ بضعة ملايين، وسيقارنون تلقائيا بين عدّادك وعدّاد منتقديك، وسيحكم قضاة العالم الافتراضي على الفور بأن الحق معك في كل شيء، وأنه يدور معك حيثما درت.

  

حذارِ أن تستخف بأمر العدّاد، فهو خاتم سليمان الذي سيفتح لك كل الأبواب. فحتى لو لم تكن راغبا في النجومية على الشاشات والسجاد الأحمر، سيفتح لك عداد المتابعين -إذا بلغ ستة أصفار- أبواب التوظيف إذا أردت، أو يمهد لك الترقية في وظيفتك الحالية، وسيسهل عليك الكثير من الإجراءات إذا اصطدمت يوما بجدار البيروقراطية في مؤسسة حكومية.

  

وإذا كان كل ما سبق غير كافٍ لإشباع نهمك -وهذا طبيعي جدا في النفس البشرية- فسيقدم لك صنّاع النجوم طيفا واسعا من الخيارات. يمكنك مثلا أن تشارك في حفلات للقاء جماهيرك وهم يصرخون للمس يدك والتقاط الصور معك، وأن تطلق على نفسك ألقابك الخاصة مثل "نمبر ون" و"الملك" و"الملكة"، وأن تنتج أفلاما وأغنيات وكتبا تقدس فيها ذاتك وتستعرض سياراتك وقصورك، وربما تطرح منتجات فاخرة في الأسواق تحمل صورتك ولقبك وتوقيعك.

    

أما إذا كنت أكثر طموحا، واكتشفت فجأة أن كل ما سبق لم يكن سوى قشور تافهة، فضع عينك على السلطة، وتذكر أن متابعة الطريق نحو مناصب السياسة لن يكون أصعب من انطلاقتك الأولى من القاع نحو النجومية، فقد فعلها الكثيرون قبلك، وقد تجد نفسك يوماً ما عمدة لمدينتك، أو نائبا في البرلمان، أو حتى رئيس دولة، وأعني ذلك في الحقيقة المشخصة وليس في عالم الخيال.

   

أخيرا، ماذا تنتظر؟ كل الشياطين تنتظرك عند مفترق الطريق، وستذلل لك الصعاب لتبدأ خطوتك الأولى نحو قمة المجد. الجماهير أيضا تنتظرك على جانبي الطريق لتهتف باسمك، وسينسيك صخبها هاوية جهنم التي أخشى أن تصادفك بغتة، بعد بعض خطوات فقط من وصولك إلى القمة.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة