جمال بلماضي.. صانع الإنجاز والإعجاز!

لم تكن عائلة بلماضي القاطنة بإحدى ضواحي العاصمة الفرنسية باريس تعلم أن مولودها الجديد الذي رزقت به في أحد أيام شهر مارس سنة 1976 وأعطته إسم جمال سيكون بعد أربعة عقود وزد عليها قليلا، صانعا لفرحة ملايين الجزائريين داخل الجزائر وخارجها، بل سيكون الإسم الأكثر تداولا بينهم ولا إسم يعلو فوق إسمه، وهو الذي أهدى لوطنه لقبا قاريا هو الأعظم للأفناك في تاريخها، لقب ظل عصيا لثلاثة عقود كاملة قبل أن يفك العقدة إبن مدينة مستغانم وأين !؟ في قاهرة المعز وبين جنبات سيدة القارة وفي حضرة فراعنتها.

 

جمال الشاب الأربعيني حسن الأخلاق، الهادئ، الغاضب الذي كان قبل سنوات فقط لاعبا مميزا بصولات وجولات عديدة عبر الملاعب الأوروبية والعربية وبقميص المنتخب الجزائري لكرة القدم، إختار ككثير اللاعبين المعتزلين التوجه لميدان التدريب كتجربة وتحدي من نوع أخر قد يعطي لتميزه داخل الملاعب تميزا أخر على جنباتها، وهو ماكان في تجاربه التي حصل من خلالها على عديد الالقاب المحلية المتعددة بين بطولة الدوري، والكأس، وكأس الأمير بدولة بقطر حين كان مدربا لنادي لخويا وبعده الدحيل المدمج بين ناديي لخويا والجيش، وأيضا المنتخب القطري الأول الذي فاز معه بكأس الخليج، وقبلها كأس أمم غرب أسيا مع المنتخب القطري الثاني.

 

لم يكن نداء الوطن مرفوضا يوما بل كان ولا زال واجبا لا يرد، وهو المبدأ الذي ظل جمال مقتنعا به على الدوام، وحين جاء وقت تجسيده جسده بكل معاني الحب والوفاء، ففي الثاني من شهر أوت من السنة الماضية أعلنت الاتحادية الجزائرية لكرة القدم تعاقدها مع سبيشال وان الجديد كما لقبه صحفي بيين سبورت ياسين بن لمنور، ليكون المدرب رقم عشرين في تاريخ المنتخب الوطني الجزائري منذ الاستقلال، معلنا قبوله التحدي الانتحاري الجديد لإمساك زمام الأمور لمنتخب مهشم، مهدم، وفاقد المعالم، عاث فيه سلفه فسادا. وبالرغم من صعوبة المهمة الموكلة إليه لإعادة الترميم إلا أنه كان شجاعا جدا، لم يقل كلمة لا لجماهير طلبته بشدة على أمل أن يرد دين الثقة بنعم القبول مُردَدَة بقوة، وهو ماكان ليكون بعد حين فقط البناء ومهندس الترميم الأبرز في القارة.

 

جمال بلماضي المدرب النعمة كما قال عنه أبو تريكة صنع فرحة عظيمة كانت ولا تزال وستظل دائما بلسما لجراح الوطن الغائرة

رحلة شهر لمصر سبقتها تحضيرات في الجزائر وقطر كانت كافية لجعل المنتخب الذي كان الكل قبل حين فقط يخاف إقصاءه من التصفيات التأهيلية، يصبح سيدا للقارة الافريقية ولتهديه اللقب بتتويج مستحق سيطرت فيه الجزائر بالطول والعرض على البطولة فكانت المنتخب الاحسن بالهجوم الأقوى، والدفاع الأكثر صلابة، وبالحارس الاحسن واللاعب الأفضل وأيضا المدرب الأكثر تميزا في الكأس القارية، هذه الأخيرة أثبتت أن المدرب الوطني جمال بلماضي لم يكن يوما مدربا أندية فقط، بل إستحق ويستحق أن يكون سيدا للقارة وعلى رأس مدربيها الأفضل وهو مكانه الذي يستحق التواجد فيه دوما.

 

صاحب الثلاث وأربعين ربيعا صاحب الأخلاق رفيعة، قليل التصريحات لوسائل الإعلام، الهادئ الذي لا يتكلم كثيرا، الغاضب متفاعل بقوة على الخط والدكة، المتباكي في لحظات الضعف، الكاره الذي يمقت الهزيمة، المبتسم إبتسامة عريضة غير مخفية حين الفوز، الساجد الدائم لله بعده، صديق اللاعبين ووالدهم الذي يتفاعل معهم دائما خلال التدريبات والمقابلات، يستحق منا جميعا الإشادة الكبرى، إشادة كاملة غير منقوصة دون أن يزاحمه عليها أحد،

 

أصبح كل الجزائريين الأن مدينين لهذا الشاب الذي ساقه القدر لهم ليصنع فرحتهم الكبرى بالتتويج بالكأس الأغلى، والتي أخرجتهم بالملايين محتفلين بعد كل تأهل كأيام سبقت قبل سنوات، بل أشد فرحا وبرونق خاص جدا، لأنها جاءت مع حراكهم الذي خرجوا ويخرجون فيه منذ أشهر عديدة لتغيير النظام الذي يحكم البلد ويجثم فوق الرقاب ويخرب البلاد وينغص حال العباد.

 

جمال بلماضي المدرب النعمة كما قال عنه أبو تريكة صنع فرحة عظيمة كانت ولا تزال وستظل دائما بلسما لجراح الوطن الغائرة، والتي كان دواءها رفع العلم الوطني عاليا والعودة بالكأس محمولة فوق الأكتاف.



حول هذه القصة

“أنا مغربي إذن أنا جزائري”.. ليس شعار حركة سياسية أو عنوان مبادرة نخبوية. إنه صرخة يافطة نصبها مواطنون بمقهى شعبي بمدينة فاس المغربية، بينما كان جمهور الحي يتابع مباراة للمحاربين.

23/7/2019
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة