ألبير كامو.. بين الانتحار والعبث

ألبير كامو أديب وفيلسوف فرنسي ولد في مدينة موندوفي (الذرعان) في الجزائر، فيلسوف العبث بجدارة، كما أن فلسفته تندرج تحت الوجودية حتى وإن رفض هو ذلك كونها تهتم بالإنسان وألمه وتيهه في البحث عن ذاته وعن المعنى في هذه الحياة مع أنه لا جدوى من البحث عند كامو فالوجود كله عبثي ولا عقلاني وبلا غاية ومع ذلك يجب عليك التمرد على هذه اللاجدوى التي تكتسح الوجود.. كامو أديب وحاصل على نوبل وسكب كل أفكاره في رواياته خاصة في الغريب والطاعون، كما أنه له كتابات فلسفية ككتاب أسطورة سيزيف التى قرر ونظر فيها للعبثية واللاجدوى.. فما هي أسطورة سيزيف؟

 

هي أسطورة قديمة تروى قصة سيزيف الذي استطاع أن يخدع إله الموت ويكبله بالأصفاد وبالتالي يتم إنقاظ البشر من الموت، فتغضب عليه الآلهة وتقرر عقابه بأنه يدحر صخرة كبيرة إلى الأعلى ثم تعود لمكانها من جديد، ثم يعيد سيزيف دفع تلك الصخرة التي تصل للقمة ثم تعود لمكانها وهكذا إلى الأبد بلا نهاية، فيقول كامو أن حياتنا هذه لا تختلف عن حياة سيزيف تلك، فبعد كل يوم نقضيه يأتي يوم أخر مثله وبعد كل شهر يأتي شهر أخر بعده وهكذا في روتين وتكرار ممل بلا جدوى ولا غاية ولا معنى.. إنه العبث.. كما أن هذا العالم حسب كامو غير عقلاني فكلما سعيت لتفهم العالم والوجود ستصل إلى نهاية أنه لا معنى محدد له، فمع كوننا نسعى لفهم الوجود بعقولنا إلا أننا في كل مرة نقتنع أنه عبثي ولا عقلاني، فكل شيء في هذه الحياة لو تأملنا وترصدنا حركتها، من شخص يموت وأخر يولد وذاك ينجح والأخر يسقط فنظن أن هناك معنى وغايات وراء هذا لكننا سرعان ما نكتشف بعد تأمل أنه لا جدوى من فهم حوادثها وتقلباتها العشوائية.

  

الأشياء في العالم تحكمها قوانين وتلك القوانين ثابتة ومطردة ولا أحد ينكر ذلك، أما حركة البشر فلا يمكن أن نسمي ما يحركها ويحكمها بالقوانين لأنها تختلف عن القوانين

فحياتنا هي مثل حركة سيزيف لدفع الصخرة لأعلى القمة ثم تعود ويتكرر ذلك الفعل إلى الأبد.. أليس حري بسيزيف في تلك الحالة أن ينتحر، فالإنتحار حينها سيكون أحسن.. ولكن ألبير كامو لا يدعو الإنسان للانتحار وإنما يدعوه للتخلص من ذلك الروتين والتكرار بالتمرد، السؤال المطروح هنا: هل الحياة عبثية صحيح..؟ وما هي ركائز كامو الفلسفية في تقرير ذلك؟

 

ألبير كامو كان إنسانا ذكيا جدا وصفة الذكاء هذه تجعل الإنسان لفهم كل شيء في العالم، لكن هذا العالم مكون من شيئين: أشياء وإرادات، الأشياء هي الجمادات أو التركيب المادي للعالم من أرض وسماء ونجوم وأقمار ومن حيوانات ونباتات.. والإرادات نقصد بها البشر الذي يملكون إرادة، وبالتالي فحركة الأشياء في العالم تختلف عن حركة البشر.. لأن الأشياء في العالم تحكمها قوانين وتلك القوانين ثابتة ومطردة ولا أحد ينكر ذلك، أما حركة البشر فلا يمكن أن نسمي ما يحركها ويحكمها بالقوانين لأنها تختلف عن القوانين، ربما نشبه قوانين حركتها بالمعادلات الإحتمالية لا يمكن للعقل البشري أن يسيطر على طريقة عملها.. ربما يقول قائل أن الحركة الإحتمالية موجودة في الطبيعة وفقا للفيزياء الحديثة لكن يجب أن نعلم أن الإحتمالية المقررة في ميكانيكا الكم خاصة بالميكرو فيزياء وليس بالماكرو فيزياء، ومع ذلك فقوانين ميكانيكا الكم استطاع البشر التحكم في حركتها النسبية ولولاها لما صنعوا الهاتف والقمر الصناعي.

 

أما قوانين الطبيعة فهي عقلانية ومنطقية وقابلة للفهم وتلك ما تدفع الإنسان للاعتقاد بأن هناك معنى وغاية في الوجود.. أما الحركة التي تتحكم في البشر أو ما يسمى في الإصطلاح الديني بالقدر، فلا أحد من الأديان أو من الأنبياء قال إن البشر بإمكانهم فهمه بل على العكس من ذلك وما قصة الرجل الصالح في سورة الكهف مع موسى إلا لنقتنع أن القدر غير مفهوم في جزئياته ولكنه مفهوم وعقلاني في كلياته.

 

كما أن كامو حينما يصف الحياة بالعبثية فمن أين له بتلك المسطرة أو القاعدة التي يحكم بها على عبثية الوجود، إذن هو يقارنها بالنظام وبالرتابة والمشكل من أين جاء بفكرة النظام تلك؟ إن لم تكن موجودة من قبل في الوعي مثل فكرة الخير والشر والعدل والظلم والصح والخطأ.. ولو فرضنا عدم وجود أفكار فطرية لدى البشر كما يدعي البعض فحينها عندما نرى الحياة ونتأملها لا يمكن لنا أن نصفها بالعبث أو النظام وستصبح كل الأحكام متساوية وصحيحة في نفس الوقت.

   

في الأمور الاجتماعية أحيانا قد يتأمل الإنسان حياته أو حياة أخرين فيجد مثلا أفعالا للقدر قد تبدو عبثية كأن ينجو شخص من حادث كبير ثم يموت بعدها بيوم، أو يموت الشاب الصحيح ويبقى الشيخ الهرم المريض الذي يتمنى الموت، قد لا يستطيع الإنسان فهم تلك الخطة الكبرى للقدر فيظنها عبثا، ولكن لو كانت تلك عبثا لكانت أيضا حركة النجوم والكواكب والشمس وكل قوانين الطبيعة عبثا أيضا، لكننا نرى الدقة في الكون وهذا أمرنا النص الدين أن نتخذه دليلا للإيمان أما أمور القدر فحتى علم النفس وعلم الاجتماع لم يصل إلى الأن إلى قوانين تضاهي قوانين حركة الكون.

   

قد يتأمل الفرد أحيانا الحياة فيجدها في بعض أمورها تحتاج إلى تكملة وإضافة لتكون مثل الدقة في الطبيعة، مثلا كأن ينتصر الظالم على الضعيف سيقول لك عقلك بأن هناك جولة أخرى حتما وإلا وقعنا في العبث، والفرد هنا لم يأتي بالنظام من فراغ وإنما جاء به من الطبيعة ومن الكون الذي علمنا الرتابة والنظام فلا الشمس تأخرت يوما عن شروقها ولا القمر خالف منازله بل كل شيء بقدر محكم، وبالتالي الحياة الدنيا تحتاج لأخرى مكملة لها هي الأخرة وهذا ما جاء به الأنبياء والأديان.



حول هذه القصة

ذهب ألبير كامو في رواية “الغريب” إلى الخوض في عوالم الإنسان المتمرد والعبثي، والتساؤل حول ماهية الحياة التي يحكمها اللامعنى، تلك الحياة هي التي يتحدد من خلالها معنى الحياة عنده.

هل ستعيش كامو ربيعا جديدا بعيدا عن رهاب الاعتداء والفقدان الذي نال منها؟ هل تنسى ما جرى لها أم أنها ستكون كذلك الذي ظل يبحث عن خمر معتّق غير محرّم؟

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة