"لبُّوا مطالب أبنائكم".. لماذا يجب علينا إصلاح النظام الأبوي؟

تميزت علاقة الأب بابنه برابطة انسجام وألفة ومحبة، غيرَ أن هذه الرابطة لا تنفك عن التعرض للصدمات والانتكاسات في مراحل الحياة المختلفة التي يمر بها الابن، باعتباره هو من يتغير عليه الواقع الذي يتصف بالثبات بالنسبة إلى الأب وأعني هنا تغيرا نفسيا وإدراك للمحيط وصقل للشخصية، فينتقل الطفل من طور إلى آخر من أطوار الحياة يمتاز كل طَوْر بأنه أصعب من قبله وأكثر تعقيدا، ولا يختلف هذا التغير والتحدي بين فقير وغني أو عربي وغربي فهذه الأطوار ثابتة المعالم، لكن النتائج اللاحقة ستعتمد على تعاطي الآباء معها، فالأسرة أو البيت هو المملكة التي ينشأ فيها الأبناء وواجب على النظام الأبوي باعتباره المؤثر الأكبر وصانع القرار أن يعي ما يدور في ذهنية طفله والتماهي معها والعمل على تشكيلها بما يضمن صالح البنوة ومصلحة الأبوة.

الأب مربي لابنه على الأخلاق الحسنة وأدب التعامل مع الآخر، وفي المجتمع العربي المحافظ معلم لتعاليم الإسلام الحنيف وعباداته القيِّمة التي تملأ فراغ حياة ابنه خاصة في مرحلة المراهقة والشباب المقبل عليها، لكن في المقابل لا ينبغي على الأب التسلط في التربية، والغلو في المعاملة تحت غطاء مصلحة الابن وتصويب طريق، فالوصية الأولى أن تكون دليلا لا قيصرا؛ أنِرْ لابنك طريق الحياة وكما غرست فيه الجميل بوجهة نظرك لا تعاقبه أو تسد الطريق أمامه لمعرفة الجديد وإن كان مخالفا لما أنت عليه، دع ابنك يكتشف الحياة من منظوره ولا تجبره أن يعيش في الحيز الذي عشت فيه ولربما جاءت النتائج مغايرة لما تشتهي وجاءت رياح التشدد أو التعنت الذي هبت من ناحك بما لا تشتهي سفينة ابنك التي ركبها دفعا منك لا طواعية منه فيغرق في الحياة وما تحويه من مخاطر.

إياك أن تصطنع المواقف وتنمق الكلمات وتجمل الأقوال وتخالف كل ذلك بالفعال فحينها ستخترق حاجز المحبة والصداقة والتاريخ المشترك الذي بنيته مع ابنك، واذكر دوما بأن ابنك هو من ستتكئ عليه في المستقبل

اختر لابنك أصدقاءه ورفاقه وصدِّق المثل القائل بأن الصاحب ساحب إما إلى الخير وإما إلى الشر، واعلم بأن أفضل صديق لابنك هو أنت؛ فالطفل يخرج إلى هذه الحياة فيجد أمه التي تغمره بالحب وترهقه بالخوف عليه ذلك أن الأم فُطرت على الرأفة والحنو وجُبلت على كل رقيق وضعيف، فابنك لا يحتاج للحب من أبيه بقدر ما يحتاج إلى الإحترام، فالوصية الثانية هي أن تحترم ابنك وتشعره بقيمته الحقيقية في البيت، فلا تسمح للصغير بأن يقلل ادبه مع أخيه الأكبر، وقف بوجه الكبير إذا ما حاول الاعتداء على أخيه الأصغر، ضع حدود دولتك بنفسك بما يضمن أن إلا يعتدي أحد مواطنيها (ابناءك) بعضهم على بعض، استمع له ولا تحجم (تصغّر أو تحتقر) رأيه فيشعر بالحرج من نفسه والخوف من الكلام معك فيدب إلى قلبه ومشاعره البرود تجاهك وينشأ على الكتمان فلا يصارحك بمشكلاته وهنا ستجر مشاعره مشاعر سلبية أخرى، فالكتمان يولد الكآبة التي تولد الحيرة ومنها الخوف الذي يسبب فقدان الثقة بالنفس وتخيل ماذا يترتب على أن يفقد الإنسان ثقته بنفسه.

الوصية الثالثة هي أن تقرَّب لابنك بإظهار الحب لعائلتك خاصة لزوجتك ولا توفر جهدا لإسعادها، فالأم اختصها الله سبحانه من بين مخلوقاته وجعلها مقدسة لأبنائها الذي يقدسون من يقدسها ويبغضون من يكسر خاطرها حتى لو كان والدهم، كُنْ محبًا لزوجتك وأظهر الاحترام والتقدير لها أمام ابنها ستكسب قلبه وتحتل عقله، بادرها في كل صباح بكلمات الحب والغزل واطبع في المساء قبلة على خدها وستجعل مشاعر الحب والمودة تتدقف في شرايينه وتعطيه الأمل والقوة والثقة، ستجعله يشعر بالاستقرار الداخلي الذي يبحث عنه ويرفض كل النظريات التي تحيط به ومقولات الشعور بالغربة في بيته التي صدرتها السينما.

حدثهُ عن أيام صباك واختر كل موقف بَدَوْتَ فيه بطلا أو أظهرت فيه شجاعة، تحدث له عن برنامجك التفلزيوني المفضل واغنيتك الوطنية المفضلة، عن كيف صعدت فيه على شجرة لتقطف وردة لتلك الجميلة التي كانت تشغل بالك. الوصية الرابعة إليك، شارك ماضيك مع ابنك؛ فهو يتشوق لاكتشاف والده ومعرفة الحال التي كان عليها، لا أتحدث عن إنجازاتك في ميادين العلوم أو براعتك في التجارة بل أتحدث عن البساطة فهي ما يبحث عنها ذاك الشاب الذي يريد أن يرى الجانب الذي يتوارى بالظل من حياة أبيه، التاريخ يشكل هوية الشخص ويشكل مصدر اعتزاز الابن بأبيه، فاجعل تاريخك المرتبط بالوطن والعروبة وفلسطين وكل موقف جميل حاضرا في ذهن طفلك الكبير.

اعمل لأجله ولا تؤجل أمنياته لأجل إرضاء غيرهم حتى لو كانوا أقرب الأشخاص إليك من العائلة أو الأصدقاء، دعك من الجميع واصطف إلى جانب ابنك ولا تبحث عن مجد مصطنع وكلمات منمقة بدعوى الكرم والإحسان، فالوصية الخامسة أن ابحث عن ابتسامة حقيقية ترتسم على وجه ابنك ونظرة يملؤها الثقة والاعتزاز بك لأنك تعمل لصالحه، ولا تظن ذلك دعوة إلى القطيعة مع الأهل أو الصحاب وإنما دعوى لوضع الأولويات والمحافظة على الأبناء وتذكر قبل أن تكرم نفرا من غير بيتك بأن مالك ليس كله لك بل إن ابنائك لهم فيه حق والعبث فيه سيولد الضغينة وإن لم يصارحوك فيها من باب الاحترام فإنها ستحرق داخلهم من باب الغيرة على مالهم الضائع.

أخيرا إياك أن تصطنع المواقف وتنمق الكلمات وتجمل الأقوال وتخالف كل ذلك بالفعال فحينها ستخترق حاجز المحبة والصداقة والتاريخ المشترك الذي بنيته مع ابنك، واذكر دوما بأن ابنك هو من ستتكئ عليه في المستقبل وأن الاستثمار في الأبناء أفضل من الاستثمار في الأصدقاء أو علاقات قد تنتهي بأي لحظة قد يرافقها بُعدُ ابنائك عنك في المستقبل سببه اهمالك والابتعاد عنهم عندما كانوا بأمس الحاجة إليك.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

علمني أبي.. علمتني أمي وما زالا يعلمانني بكل لحظة قريبين كانا أم بعيدين، صامتين أم متكلمين، سعيدين أم حزينين، وأتمنى لو يعلمانني الدهر بأكمله، وأن أبقى تلميذهم الذي يستمع ويناقش.

الأكثر قراءة