استراتيجية الصين الجديدة في حربها التجارية مع واشنطن

تستأنف الصين والولايات المتحدة محادثاتهما التجارية في مدينة شانغهاي، وسط حالة من عدم الثقة بين الجانبين، وتعتبر هذه الجولة الأولى بين وفدي البلدين منذ انهيار المفاوضات في مايو/أيار الماضي، وذلك بعد قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إدراج شركة هواوي الصينية على القائمة السوداء لأسباب أمنية، وفرض رسوم جمركية إضافية على وارادت صينية. وكان ترامب قد اتفق مع نظيره الصيني شي جين بينغ، في القمة التي عقدت بينهما في أوساكا الشهر الماضي، على استئناف المفاوضات وعدم فرض رسوم جمركية جديدة، لكن منذ ذلك الحين اقتصرت المحادثات على مكالمات هاتفية بين مسؤولين من كلا الطرفين، دون أن تسفر عن إحراز تقدم في أي اتجاه.

وقبل توجهه إلى الصين، حذر وزير الخزانة الأمريكي ستيفن منوتشين، من أن هناك الكثير من العراقيل والمشاكل التي يتوجب حلها قبل إبرام أي اتفاق تجاري مع بكين، في حين أعرب مراقبون صينيون عن عدم تفاؤلهم بنتائج المحادثات، معتبرين أن هذه الجولة مهمة لإحياء العملية التفاوضية بعد انقطاع دام شهرين، لكنها لا يمكن أن تفضي لإبرام اتفاق في ظل تكدس الملفات العالقة بين الجانبين.

طابع سياسي
فكرة معالجة المخاوف الأمريكية في المحادثات بين البلدين لم تعد قائمة بالنسبة للصين، وأن ثاني أكبر اقتصاد في العالم على استعداد لخوض حرب تجارية مطولة مع الولايات المتحدة، بغض النظر عما ستسفر عنه محادثات شانغهاي

يبدو أن القضايا الاقتصادية لم تعد المحرك الأساسي للمحادثات التجارية بين الصين والولايات المتحدة، خصوصاً وقد أظهر الجانبان مرونة كافية في التعامل مع تأثير التعريفات الجمركية التي كانت الشرارة الأولى لاندلاع الحرب التجارية بين أكبر اقتصادين في العالم. ما يشير إلى دخول السجال التجاري في مرحلة سياسية، لا يمكن فيها لأي من الطرفين أن يبدو ضعيفاً، فعلى الجانب الأمريكي يريد ترامب أن يصعّد في حربه التجارية مع الصين استعدادا لخوض حملته الإنتخابية، لضمان إعادة انتخابه في العام المقبل.

أما على الجانب الصيني، فهناك إدارك تام بأن دوافع الحرب التجارية، سياسية بحتة، ولها علاقة بالتنافس الاستراتيجي بين البلدين، لذلك يبدو أن بكين ليست في عجلة من أمرها لإبرام اتفاق تجاري مع واشنطن، في ظل استمرار الاحتكاك والتوتر بين الجانبين على جبهات أخرى مثل: مضيق تايوان، وبحر جنوب الصين. وربما يدلل على ذلك اختيار الصين مؤخراً وزير تجارتها المخضرم جونغ شان، للانضمام لفريقها التفاوضي، وهو شخصية معروفة في قوتها وصلابتها، حيث أدار جونغ ملف المفاوضات التجارية مع الولايات المتحدة لأكثر من ثمانية أعوام خلال الفترة ما بين 2006 و2014.

إطالة أمد المفاوضات

في الوقت الذي يراهن فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، على تراجع معدلات نمو الاقتصاد الصيني بسبب التعريفات الجمركية، لإجبار الصين على تقديم تنازلات فيما يتعلق بملف حقوق الملكية الفكرية، وتقليص العجز في الميزان التجاري بين البلدين عن طريق زيادة شراء المنتجات الزراعية الأمريكية، تراهن بكين بدورها على إطالة أمد المفاوضات إلى حين الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة بحلول عام 2020، على أمل أن تسفر النتائج عن انتخاب رئيس جديد ينتهج سياسة مغايرة لسياسة ترامب الخارجية، خصوصاً فيما يتعلق بالعلاقات التجارية مع الصين.

وقد بدا ذلك واضحاً في اللهجة التي تحدث فيها وزير التجارة الصيني عن حرب بلاده التجارية مع الولايات المتحدة، حيث قال جونغ في أعقاب محادثة هاتفية مع الجانب الأمريكي: "يجب أن نبذل قصارى جهدنا في النضال من أجل الدفاع بحزم عن مصالح بلدنا وشعبنا"، وأشار إلى أن الأولوية بالنسبة لبكين، هو تكثف الجهود في دفع "مبادرة الحزام والطريق: قدماً، وزيادة الاستهلاك المحلي، وتسريع التنمية في مناطق التجارة الحرة.

ما يعني أن فكرة معالجة المخاوف الأمريكية في المحادثات بين البلدين لم تعد قائمة بالنسبة للصين، وأن ثاني أكبر اقتصاد في العالم على استعداد لخوض حرب تجارية مطولة مع الولايات المتحدة، بغض النظر عما ستسفر عنه محادثات شانغهاي. وربما الإشارة الأبرز في هذا الاتجاه، ما جاء في افتتاحية صحيفة جلوبال تايمز الصينية، والتي دعت واشنطن إلى إعادة النظر في اعتقادها بأنها يمكن أن تفرض شروطها على الصن، وأشارت الصحيفة المملوكة للدولة، إلى أن الولايات المتحدة لم تعد تمسك بزمام المبادرة، وأنها لا تستطيع أن تبرم اتفاقاً تجارياً وقتما تشاء، وأضافت: إذا واصلت واشنطن ممارسة الضغط على بكين، فإنها تفوت فرصة للتوصل إلى اتفاق، ما يعني الدخول في دوامة قد تستمر سنوات.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة