logo

الثالث من يوليو 2013.. اغتيال الديموقراطية الوليدة في مصر!

عانت مصر من الحكم الديكتاتوري على مدار قرون، الأمر الذي كرس أوضاعا مزرية في كل مناحي الحياة عانت منه الغالبية من الشعب المصري. ولم يكن نظام حسنى مبارك أفضل من سابقيه، فبعد ثلاثين عاما من الحكم تزايدت بشكل مأساوي معدلات البطالة والفقر والمرض والظلم والانتهاكات الحقوقية. وتزامن مع ذلك تغييب المعارضة السياسية الحقيقة، وفقدان الأمل في حياة كريمة ومستقبل أفضل. ودفعت كل تلك الظروف وغيرها الملايين من جموع الشعب المصري إلى التظاهر مطالبين بتنحي مبارك، وقد اندلعت تلك التظاهرات في ميدان التحرير بالقاهرة، وامتدت إلى كل ربوع مصر فيما سمى بثورة الخامس والعشرين من يناير 2011. وتمثلت مطالب هذه الثورة في العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية. وبعد ثمانية عشر يوما من الثورة السلمية اضطر مبارك إلى التنحي عن الحكم، وكان ذلك إيذانا بميلاد تجربة ديموقراطية فريدة شهدتها مصر.

وقد استطاعت ثورة يناير تحقيق عدة خطوات على طريق الحرية والديموقراطية، حيث أجريت عدة استحقاقات انتخابية شهدت اقبالا جماهيرا طوعيا غير مسبوق، وكانت هي الأكثر نزاهة ومصداقية وشرعية في تاريخ البلاد. ولعل من أبرز تلك الاستحقاقات الانتخابات البرلمانية، ونظيرتها الرئاسية التي جاءت بمرشح حزب الحرية والعدالة الدكتور محمد مرسي كأول رئيس مدني منتخب ديموقراطيا في مصر. فضلا عن وضع دستور جديد للبلاد، كان هو الأفضل في تاريخ مصر على الإطلاق لا سيما فيما يتعلق بآليات الصياغة والإقرار، وكذلك الحقوق والحريات. وقد تم انتخاب مرسي لمدة رئاسية واحدة قوامها أربع سنوات، إلا أنه أطيح به في انقلاب عسكري بعد عام واحد فقط.

  

لعب التزاوج بين رأس المال والسلطة دورا في غض الطرف عما يقترفه رجال الأعمال من مخالفات وتهربهم من دفع الضرائب المستحقة

ففي الثالث من يوليو 2013، قاد وزير الدفاع الجنرال عبد الفتاح السيسي انقلابا عسكريا ضد أول رئيس مدني منتخب، بل على التجربة الديموقراطية الوليدة بأسرها. وبالإضافة إلى الفاسدين من كبار رجال القوات المسلحة المصرية، فقد كانت هناك عدة أطراف تم توظيفها وساهمت في تمهيد الطريق أمام ذلك الانقلاب. ومن هذه الأطراف بعض رجال الأعمال، والإعلام المضلل، ونخبة من السياسيين والمثقفين، وجماعات من الجماهير ذوي الوعي المتدني، فضلا عن قوى عربية وأجنبية رأت في نجاح التجربة الديموقراطية مصر تهديدا مباشرا لمصالحها.

فمع بداية الحكم العسكري في مصر عام 1952، اعتادت المؤسسة العسكرية ممثلة فيما عرف بمجلس قيادة الثورة ومن بعده المجلس الأعلى للقوات المسلحة إلى اعتبار مصر ملكا خاصا لها، حيث السيادة المطلقة عليها والإثراء من مواردها. فبعد توقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل عام 1979، تفرغت المؤسسة العسكرية للأعمال التجارية. الأمر الذي أفضى إلى تكون امبراطورية اقتصادية عسكرية بعيدا عن الرقابة والمحاسبة. تلك الامبراطورية التي تدر على كبار القادة العسكريين أموالا طائلة في ظل نظام حكم ديكتاتوري تحميه المؤسسة العسكرية بالتعاون مع أجهزة الأمن الداخلي. وهكذا كانت ثورة يناير وما أفرزته من نظام حكم مدني منتخب وما أسست له من حكم ديموقراطي، بمثابة تهديد مباشر لمكانة المؤسسة العسكرية لا سيما فيما يتعلق بالسيادة المطلقة والمكاسب المادية وباقي الامتيازات التي طالما تمتعت بها الجهات السيادية. وبالتالي فقد كان من الطبيعي أن تسعى المؤسسة العسكرية ومعها الأجهزة الأمنية لوأد هذه الثورة وتلك التجربة الديموقراطية حماية لمصالحها الخاصة.

أما عن فئة رجال الأعمال، فقد تمتعوا بامتيازات خاصة مع بداية تطبيق سياسة الانفتاح الاقتصادي تحت حكم الرئيس الراحل محمد أنور السادات. وتضخمت امتيازاتهم تلك تحت حكم مبارك بدعوى تشجيع الاستثمار، وتنمية الاقتصاد، وخلق فرص عمل جديدة. إلا أن الفاسدين من رجال الأعمال قد أساءوا استخدام تلك الامتيازات وأثروا على حساب الشعب ومصالح الدولة. كما لعب التزاوج بين رأس المال والسلطة دورا في غض الطرف عما يقترفه رجال الأعمال من مخالفات وتهربهم من دفع الضرائب المستحقة. وقد أدى التقاء مصالح كل من ذوي المال وذوي السلطة إلى إثراء غير مشروع وتمكين غير مبرر. وكان ملف فساد رجال الأعمال من الملفات الشائكة التي تم فتحها والتحقيق فيها أثناء حكم مرسى. حتى أن بعضهم قد اضطر لدفع مبالغ طائلة من الضرائب المستحقة عليهم لأول مرة. وكان من الطبيعي أن يمثل نجاح التجربة الديموقراطية تهديدا لمصالح الفاسدين من رجال الأعمال، لا سيما في ظل سيادة القانون والرقابة والمحاسبة. فقام البعض منهم بتمويل افتعال أزمات حياتية لإفشال التجربة الديموقراطية، وبالمثل تمويل الانقلاب العسكري حفاظا على مصالحهم وامتيازاتهم.

  

لم يكن تدنى الوعي لدى البسطاء من الشعب المصري فقط، بل قد طال مثقفين وسياسيين ونشطاء تم استغلالهم لتوفير غطاء سيأسى للانقلاب العسكري

ومن ناحية أخرى، فقد لعبت وسائل الإعلام المضللة دورا في التمهيد للانقلاب العسكري. فمنذ اندلاع ثورة يناير، دأبت وسائل الإعلام على شيطنة الثورة والثوار. واستمرت أثناء حكم مرسى في بث الشائعات والأكاذيب، وتضليل الرأي العام، والحشد الجماهيري لإفشال التجربة الديموقراطية. كما اعتادت على السخرية من رئيس الدولة وحكومته والتهكم عليهم والتشكيك فيهم. وكان ذلك بتوجيه من القيادة العسكرية التي صنعت هؤلاء الإعلاميين كما جاء في أحد تسريبات السيسي. كما استغلت درجة الوعي المتدني لدى البعض من الشعب للحشد لتظاهرات الثلاثين من يونيو 2013، والتي طالبت بانتخابات رئاسية مبكرة. تلك التظاهرات المحدودة التي تم استغلالها كغطاء مدني للانقلاب العسكري.

  

ولا غرابة في تدنى مستوى الوعي في ظل حرص الأنظمة العسكرية الديكتاتورية التي حكمت مصر على تفريغ التعليم من مضمونه ومردوده. فإنتاج أجيال من أنصاف المتعلمين يسهل قيادة وتوجيه الجماهير لصالح الديكتاتوريات الحاكمة. ولم يكن تدنى الوعي لدى البسطاء من الشعب المصري فقط، بل قد طال مثقفين وسياسيين ونشطاء تم استغلالهم لتوفير غطاء سيأسى للانقلاب العسكري. ومن المفارقات أن بعض هؤلاء النخبة الذين طالما تغنوا بالحرية والديموقراطية، لم يقبلوا بنتائج أول انتخابات حرة ونزيهة. فكونوا ما سمى بجبهة الإنقاذ، وساهموا في الدعوة لتظاهرات الثلاثين من يونيو، وطالبوا بانتخابات رئاسية مبكرة، الأمر الذي يتنافى مع ادعاءاتهم حول الديموقراطية. بل إن عددا منهم رفض أدوارا ومواقع تنفيذية عرضت عليهم من جانب إدارة الرئيس مرسى. وبذلك ساهموا في مؤامرة إفشال التجربة الديموقراطية وفى توفير غطاء سيأسى للانقلاب العسكري.

ولم تكن بعض القوى الإقليمية والغربية بعيدة عن التآمر على تجربة مصر الديموقراطية. فحرصا على إفشال تلك التجربة، وخوفا من امتداد الثورة إلى بلدانهم وتهديد عروشهم ومصالحهم، قامت أنظمة عربية بتمويل الانقلاب العسكري بمليارات الدولارات. ومن أبرز هذه الأنظمة المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات. كما ساهمت بعض القوى الدولية في دعم الانقلاب ولاحقا في توفير غطاء من الشرعية الزائفة له. وذلك حرصا على أن تبقى مصر والدول العربية جميعا تحت السيطرة، ضمانا للهيمنة وإمدادات البترول وأمن إسرائيل.

ولا يعنى ذلك أن نظام حكم مرسى كان ضحية كليا أو بلا أخطاء، فقد ارتكب مرسى أخطاء ساهمت بدورها في تمهيد الطريق للانقلاب. ومن هذه الأخطاء اعتماده سياسة الإصلاح بديلا عن الإجراءات الثورية التي تعقب الثورات. كذلك التأخر في اتخاذ إجراءات وعقد محاكمات ثورية لمن أفسدوا الحياة وقتلوا الثوار في يناير 2011. وعدم توظيف روح الثورة والزخم الجماهيري بما يمكنه من تحقيق أهداف ومطالب ثورة يناير المجيدة. وعدم مصارحته للشعب بما كان يجري من منازعات على السلطة تاركا المجال لإعلام الثورة المضادة لتضليل الجماهير. خلاصة القول أن تجربة الديموقراطية الوليدة في مصر بفعل ثورة يناير 2011، قد اغتيلت بفعل أطراف وقوى داخلية وخارجية قد تآمرت على إرادة الشعب ومستقبل الأمة لتحقيق أهداف ومصالح خاصة. وسواء حمل المستقبل القريب تجربة مماثلة أم لا، فإن قيما كالحرية والديموقراطية والعدالة والمساواة والكرامة الإنسانية ستظل دوما دافعا للنضال من أجل تحقيقها.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة