عشرون سببا تجعلني أدعو الله بالرحمة للرئيس التونسي

blogs السبسي

من المتفق عليه عند من استوعبوا تاريخ الإسلام أن منطلقات الفكر الإنساني في الدول الإسلامية المتعاقبة وحضاراتها المزدهرة في المشرق والمغرب لم تعرف ذلك النمط المستحدث من التفكير السياسي الإمبريالي الراهن الذي تلا عصر المستعمرات وتظلل بمسحة من الفهم البشري للدين على نحو يقتصر في تحكيم القيم الدينية على ثنائية الولاء والبراء فحسب؛ وهو نمط يوتوبي فاضل يظن أن من واجبه أن يدير الدنيا كلها في ما يتطلبه مدار هذا المحور الجوهري والمنطقي؛ بكل ما في هذه الإدارة من حدة وشدة؛ ومن ثم فإن الفهم يبدو وكأنه يريد أن يختزل الحياة العامة في اللونين الأسود والأبيض فقط؛ على حين أن تاريخ الفكر الإنساني في دول الإسلام المتعاقبة وحضارته المزدهرة لم يقر هذا النمط مع احترامه له؛ وإنما تعطينا القراءة النافذة لهذا التاريخ أمارات متعددة على رحابته التي صنعت بفضل الفقه وأصوله آفاقا متعددة لتقدير الصواب والاجتهاد والموازنات والتدرج والتأقلم؛ وقد أنجزت الحضارة الإسلامية هذا التحدي الأمثل بعيدا عن المناطق الخطرة التي تحيط بما تفرضه الأيدولوجيا أو تشجعه الديماجوجيا أو تتطلبه البيداجوجيا.

 

أما مقولة هذا الرئيس عن مرجعية الدولة إلى الدستور فليس المقصود بها عنده ولا عند غيره من العلمانيين [أو غيرهم] أنهم يستبدلون شيئا بشيء وإنما هم بحكم الآلية البشرية التي يعالجون بها صياغة أمور التشريع يؤسسون أحكامهم القانونية والتقنينية على مواد دستورية وأحكام وقتية؛ وفي هذا السلوك والقول تنزيه للقرآن الكريم ونصوصه عن أن تكون بمثابة نصوص يتداولها برلمان يشرع قانونا؛ أو رجل قانون يصوغ قرارا؛ وليس معنى هذا أن قانونا يصدره برلمان دولة ما في سنة ما قد غير شرع الله وإنما هو خالفه وكان أقل من أن يطبقه ويفهمه؛ وهذا يتسق مع طبيعة البشر الخطاة الذين لم يصلوا إلى الصلاح والتقوى؛ والبرلمان بطبعه ليس مجمعا للصالحين ولا للتقاة وإلاَّ لانتهى دفع الله الناس بعضهم ببعض؛ وليس معنى أن المستشفى يضم مرضى أن الطب فاشل بل المعنى أن الحياة بها مرض يحتاج الطب؛ وكذلك التشريعات تحتاج علاجا وشفاء، ومن هذا المنظور فإننا نستطيع أن ننظر لتاريخ الرئيس التونسي الراحل في ضوء معطيات زمنه فنترحم عليه عشرين مرة لا مرة واحدة.
     

أدعو الله بالمغفرة للرئيس التونسي لأنه لم يمض في أي طريق وهمي يهدر فيه المليارات أجل لقطة؛ كما انه لم يحرق الثروات الوطنية من أجل خدعة

1. أدعو الله بالمغفرة للرئيس التونسي لأنه حقن دماء مواطنيه ولم يُلبّ مبرّرات الدعوات الإمبريالية والصهيونية إلى البدء في إجراءات تُسمّى خداعاً بالحفاظ على هيبة الدولة بينما هي في جوهرها لا تعدو أن تكون صورة من صور مذابح الترهيب والاستئصال والإبادة والسيطرة وقد رفضها هذا الرئيس حين طلب مُموّلو الثورات المضادة منه أن يسيل الدماء أنهاراً كما حدث في بلاد أخرى.

2. أدعو الله بالمغفرة للرئيس التونسي لأنه لم يتآمر على جيرانه من أبناء الشعب الليبي بأية صور من صور التآمر التي كان حلفاؤه الغربيون يلحون عليه من أجل فتح الباب إليها ثم التورط فيها.

3. أدعو الله بالمغفرة للرئيس التونسي لأنه لم يسجن الآلاف ولا العشرات بلا سبب إلا خوفه من ظله فقد كان له من ثقته بخالقه الغفور الرحيم ما حماه من عبادة الشيطان.

4. أدعو الله بالمغفرة للرئيس التونسي لأنه لم يندفع في الطريق الخطر الذي يسول له أن يقسم شعبه إلى قسمين وإنما حافظ بكل أمانة على الوحدة الوطنية.

5. أدعو الله بالمغفرة للرئيس التونسي لأنه وهو العاشق للفن العارف بقوة تأثيره لم يوظف الفن لحظة واحدة في الشحناء والبغضاء.

6. أدعو الله بالمغفرة للرئيس التونسي لأنه لم يفكر على الإطلاق في أن يقبل السير في أي طريق يفرط في أية قطعة من أرض وطنه مع أن الضغوط كانت ملحة والأسباب كانت سهلة الاستدعاء.

7. أدعو الله بالمغفرة للرئيس التونسي لأنه لم يرتهن قرار تونس بيد الأعراب والأغراب لحظة واحدة وظل قراره تونسيا صرفا مع ما كلفه هذا من ضغط عصبي. ونفسي لم يكن قبل لسنه ولا لصحته به لكنه تحمله في جسارة.

8. أدعو الله بالمغفرة للرئيس التونسي لأنه لم يمد يدا باطشة بالقوة والجبر والمباغتة إلى مال الدولة ولا إلى مال فئات من الشعب؛ ولا إلى مال المعدمين والمتقاعدين والعجزة.

9. أدعو الله بالمغفرة للرئيس التونسي لأنه لم يمنع الصلاة ولم يهدم المساجد ولا الزوايا.

10. أدعو الله بالمغفرة للرئيس التونسي لأنه لم يحارب الحج ولا العمرة.

11. أدعو الله بالمغفرة للرئيس التونسي لأنه لم يمنع صلاة التهجد ولا القيام.

12. أدعو الله بالمغفرة للرئيس التونسي لأنه لم يخفض قيمة عملة وطنه بقرارت رعناء ولم يخفض قيمة ثروة بلده ومواطنيه.

13. أدعو الله بالمغفرة للرئيس التونسي لأنه لم يكبل وطنه بالديون؛ ولم يقض على مستقبل الأجيال القادمة من أبناء شعبه استجابة للطامعين في الاستيلاء على أصول الوطن من الحلفاء الممارسين للرأسمالية المتوحشة.

14. أدعو الله بالمغفرة للرئيس التونسي لأنه لم يدمر قدرات دولته على تنمية ونشر وإتاحة خدمات الصحة والتعليم والنقل والإسكان والطاقة المقدمة للفئات البسيطة من أبناء وطنه.

15. أدعو الله بالمغفرة للرئيس التونسي لأنه لم يمض في أي طريق وهمي يهدر فيه المليارات أجل لقطة؛ كما انه لم يحرق الثروات الوطنية من أجل خدعة.

16. أدعو الله بالمغفرة للرئيس التونسي لأنه لم يسلط الأراذل من الأميين والجهلة على شعبه ليل نهار ليشوهوا العقول بالأكاذيب والخرافات والمفتريات.

17. أدعو الله بالمغفرة للرئيس التونسي لأنه لم يشرد خيرة أبناء الوطن.

18. أدعو الله بالمغفرة للرئيس التونسي لأنه لم يقتل صفوة شباب الوطن.

19. أدعو الله بالمغفرة للرئيس التونسي لأنه لم يهن العظماء.

20. أدعو الله بالمغفرة للرئيس التونسي لأنه لم يتعقب المخلصين.

21. أدعو الله بالمغفرة للرئيس التونسي لأنه لم يقرب المجرمين والقتلة وسفاكي الدماء.

22. أدعو الله بالمغفرة للرئيس التونسي لأنه كان قريبا جدا من الصدق بعيدا جدا عن الكذب وهي مكرمة من مكارم الأخلاق أصبحت نادرة في عصر يصور الدعارة شرفا والقبح جمالا والافتراء عدلا والغطرسة سماحا.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة