الدين واللاهوت في مرايا فيزيائي

blogs الكون

الدّين والعِلم أو كما صوّرهما العالم البيولوجي ستيفن جاي جولد (Stephen jay Gould) في كتابه "صخور الزمان" (Rocks Of Ages)، بأنّهما صخرتان راسختان تقفُ عليهما البشريّة منذُ القِدم؛ فالدّين هو الصخرة الثابتة على مرّ العصور أمّا العلم فهو تلك الصخرة التي تشكّلت واستمدّت ماديّتها وكينونتها من عالمنا الماديّ بصخوره وفضائه وأسراره وخباياه. ولطالما شكّلا معًا أكثر المواضيعِ جدلاً وتصادُمًا عبر الأزمان عند العلماء عامّة وعند الفيزيائيّين خاصّة.

 

التاريخ يحملُ الكثير من القصص التي تتحدّث عن المشاكل التي تعرّض لها العلماء والباحثون عندما وصلوا إلى أمور بدت لهم متناقضة مع بعض المعتقدات الدينيّة، ولعلّ من أشهرها الجدل الذي خلقته اكتشافات غاليلي الفلكية وحرب الكنيسة الكاثوليكيّة على نظرياته، وكذا المعارضة الشّديدة التي قوبلت بها الحقائق العلميّة التي وصل إليها ابن رُشد من طرف العديد من الفقهاء المسلمين… وكثيرًا ما كان ينتهي المطاف بأغلب هؤلاء العلماء –على اختلافِ دياناتهم ومعتقداتهم-إلى تبنّي المنهج العَلموي والكُفر بالدّين كرسالةٍ سماويّة أو بالله كخالقٍ لهذا الكون، والقول بأنّ الطبيعة قد أوجدت نفسها بنفسها، انطلاقًا من قصة الخلق البيولوجيا التطورية لتشارلز روبيرت داروين وصولاً إلى نظريّة إم (M-theory) التي اعتمدها ستيفن هوكينغ في أبحاثه.

 

رغم هذه الحرب الشكليّة الواسعة بين الدّين (المسيحيّة خاصّة) والعلم والتي لم تعرف ساحة معركةٍ حقيقيّةٍ، غير أنّك وأنت تقرأ لبعض هؤلاء العلماء الملحدين أو اللا دينيّين، ستستوقفك عبارات تحملُ بين طيّاتها من المعاني ما لا يمكن أن تغفل عنه أو تمرّ عليه دون استغراب، فلو بدأنا مثلاً بالفيزيائي ألبرت آينشتاين، فقد عُرف برفضه المطلق لفكرة الأديان الإبراهيمية عن الإله الذي يثيب ويعاقب بالجنة أو النار على أفعال مقدرة منذُ البداية، فكان الإنجيل بالنّسبة له عبارة عن مجموعة خرافاتٍ بشريّة تحوي رسائل نبيلة. وأمّا اليهودية فقد اعتبرها مجرد تجسيدٍ لأعظم الخرافات الطفولية، وهذا ما شرحهُ في رسالته الشهيرة "رسالة الله" التي أرسلها إلى الفيلسوف إيريك غوتكيند.

 

لمسألة الإيمانيّة عند هؤلاء العلماء تتحوّل من إلزامٍ ديني وإشكاليّة تتحكّم فيها السلطة الدينيّة والتشريعيّة إلى مجرّد قناعة شخصيّة

وبالرغم من هذا الموقف الذي تبنّاه ألبرت آينشتاين من الأديان إلاّ أنّه كان يؤمن بأن كل شيءٍ في الكون مصمّم منذ البداية وإلى النهاية، وأنه من تصميم قوى لا يمكن للإنسان السيطرة عليها، أو كما عبّر عنه هو بقوله: "كل شيءٍ محدّد بدقة وإحكام، البدايات وكذلك النهايات، بواسطة قوى طبيعية نحن لا نملك أي تدخل فيها، نحن جميعًا نرقص على نغمات غامضة، يجرى سماعها في كلّ ما حولنا بطريقة غير مرئية، معزوفة بواسطة عازفٍ مجهولٍ!"، فتجلّى الله عند آينشتاين من خلال الانتظام والتّناسق الذي يقوم عليه هذا الكون ومن خلال الالتزام الصارم بقوانين الفيزياء المُرتبطة بقانون السببية. وهذا ما جعله يقول مقولته الشهيرة: "الإله لا يلعب النرد"، رفضًا لفكرة العشوائيّة واللا تحديد التي جاء بها كلٌّ من الفيزيائي الدنماركي "نيلز بور" والألماني "فيرنر هايزنبرج" التي تقول بأن نتائج التفاعلات التي تجرى داخل الذرات لا يمكن التنبؤ بها حرفيًا، بل عن طريق الاحتمالات فقط. وهو ما اعتبره فعلاً عشوائيًّا لا يمكن تقبّله مثل رمي "حجر النرد". وقبل وفاته ببضعة أشهر حين يئس من نقد هذه الفلسفة كتب رسالة للفيزيائي الأمريكي "ديفيد بوهم" يقول فيها: "إن كان العالم قد خُلق فعلاً بواسطة إله، فإن هدفه الأساسي كان بلا أدنى شك هو ألا يجعلنا نفهمه بسهولة".

 

نجد أيضًا في كتاب "التدبير الإلهي: الأساس العلمي لعالم منطقي" (The Mind of God: The Scientific Basis for a Rational World)، للفيزيائي بول ديفيز جزئيّة في مقدّمته قال فيها: من بين العلماء غير المتديّنين بالمعنى التقليدي للكلمة، نجد كثيرين يعترفون بشعور غامض بوجود "شَيءٍ مَا" خلف سطح حقيقة الحياة اليوميّة، معنى ما خلف هذا الوجود؛ فثمّة إحساس طاغٍ لدى أوساط أكثر العلماء راديكالية يجوز لنا أن نسميه: تبجيل الطبيعة، افتتان واحترام لجمالها وبُعْد غورها وحتى حماقتها.. وهذا الشعور مماثل للرهبة والخشوع الديني.

 

ورغم أنّ هذا الفيزيائي قد طرح اعتقاداته على أساس أن ثمّة عقلاً كونيًا قادرًا على اجتراح الأعاجيب الكونية، من خلال جانب فكري خارج تمامًا عن مَأسَسَتِها ضمن إطار مؤسسات دينية تتجه إلى فرض نوع من الثيوقراطية، مُعلنة كانت أم مضمرة. إلاّ أنّك لتكاد تندهش لفرط الكياسة ورقّة الرّوح التي تنطوي عليها عبارته الأخيرة، وهذا ما يخلعُ عن مفهوم الإيمان عندهم صفة السلطة الدينيّة لتتحوّل إلى مجرّد قناعة شخصيّة تتحكّم فيها نظم أخلاقيّة فلسفيّة وروحيّة تهدف إلى الارتقاء بالإنسان. ثمّ يقول أيضًا: "اعتقادي الفطريّ أنّه من المحال أن يصل البشر إلى قاع كلّ شيءٍ، ويبدو دائمًا أنّ هناك دائمًا "سرٌّ" عند نهاية الكون"… إذن فهو يعترف هنا بأنّ العلم مهما بلغ فلن يستطيع الاستغناء عن ذلك المعنى الغيبيّ المرتبط بهذا الكون.

 

ومثله كان رأي الفيزيائي الأمريكي "ستيفن واينبرغ" الحاصل على جائزة نوبل؛ فقد كان ممّن تفطّنوا لقصور العلم عن تقديم معنى كُلي للوجود، فيقول في كتابه الدقائق الثلاث الأولى من عمر الكون: "طبعًا ليس لدينا يقينٌ مطلقٌ في هذا المجالِ (أي العلم)"، ثمّ إنّ العِلم نفسه يطرحُ اختلافات في تفسير طبيعة بعض الظواهر العلمية على بساطتها مثل تعريف الموجة الكهربائيّة وماهيتها وطبيعة الإلكترون والضوء وسبب تجاذب وتنافر الشحنات… فيرى "ستيفن واينبرغ" أنّه يقتصر فقط على منحنا حقائق جزئيّة عن الكون، وهذا ما حدا به إلى قول: "إنه من الرائع أن نجد في قوانين الطبيعة خطة أعدّها خالق مهتمٌّ، وتؤدي فيها الكائنات البشرية دورا متميزًا، وأنا أشعر بالحزن عندما أشك في ذلك، ومن زملائي العلميّين نفرٌ يقولون بأنّ التأمل في الطبيعية يعطيهم اكتفاءً روحيًّا… أما أنا فلا!".

 

وإلى جانب هؤلاء فقد كان لاكتشاف جُسَيْم هيجز (The Higgs boson) أثرٌ بالغٌ على بعض الملحدين من بينهم دانيال ساريويتز الذي أجبره هذا الاكتشاف على الاعتراف بأنه ينبغي للعلم أن يُفسح الطريق للدين أحيانًا. وانطلاقًا من كل هذه الآراء والمعتقدات، تجدُ أنّ المسألة الإيمانيّة عند هؤلاء العلماء تتحوّل من إلزامٍ ديني وإشكاليّة تتحكّم فيها السلطة الدينيّة والتشريعيّة إلى مجرّد قناعة شخصيّة، ممّا ينتهي بهم إلى التعامل مع الدّين كمجرّد نسق ثقافي يستلزم بالضرورة اتّباع التزامات أخلاقيّة في التعامل، كما يخلق نوعًا من الأريحية الفكرية، لكن يبقى تفسير الظواهر لديهم بلا معنى أو أجوفًا كأن لا حياة فيه، وهو البُعد الذي يقدّمه الدّين لكلّ ظواهر الكون والحياة معًا.



حول هذه القصة

blogs-muslim

إن المخرج من مأزقنا الوجودي الذي ربطنا بالتخلف هو العمل على التفكير الاستراتيجي بعيدا عن الانطوائية و التعصب، والتخلص من ثقل خلفياتنا التاريخية النكدة والنكوصية وترويض نرجسيتنا الثقافية والدينية والاجتماعية.

فريدريك شلايرماخر

انبرى شلايرماخر بكتابه “عن الدين” لإعادة صياغة فهم جديد للدين؛ فهمٌ مُتعال عن المساجلات العقلية والمنطقية، فهم يكتسي صبغة الإيمان والتّسليم والتّصديق للحقائق الدينية التي نسفها العلم الحديث بعقلانيته المفرطة.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة