التحليق فوق عش الوقواق.. عن مأساة المجتمع الأمريكي

BLOGS عش الواقواق

"المكان الذي يكثر فيه التفاؤل هو مستشفى للأمراض العقلية"
-نيتشه

"أعني أنكم يا رفاق لا تفعلون شيئا عدا التذمر وكيف أنكم لا تطيقون هذا المكان، بينما لا تملكون الجرأة للخروج منه؟ ماذا تحسبون أنفسكم، مجانين أو ما شابه؟" كانت هذه هي الكلمات التي لفضها "ار مكمرفي" بمشاعر الغضب المختلطة بالثورة والاستنكار والحيرة، بعد اكتشافه أن زملائه في المصحة العقلية يقيمون بين جدرانها بكامل رغبتهم، لمجرد خوفهم من مواجهة العالم الخارجي. "أحدهم طار فوق عش الوقواق"، هي الترجمة الدقيقة لواحد من أروع الأفلام عبر التاريخ، وهو عنوان مستوحى من أغنية شعبية للأطفال: "أحدهم طار إلى اليسار، أحدهم طار إلى اليمين.. أحدهم طار فوق عش الوقواق"، الوقواق نوع من الطيور المعروفة بسلوكها الانتهازي والحقير، فهو يغزو أعشاش الطيور الأخرى ويرمي بيضها لكي يضع بيضه كما يقتل فرخهم فراخ الطيور الأخرى عبر رميها من العش موهما الطيور بأنه ابنها فتهتم به وتكبره، وجد كاتب الرواية كين كيسي في هذا التشبيه تجسيدا مثاليا للسلطة والحكومة، فهي على حد تصوره تسرق قوت الشعب وتوهم الآخرين أنهم يعملون من أجل أنفسهم لكن في الواقع يعملون لأجلها وهنا يتجسد فكر الفيلم، طائر الوقواق استولى على عش الآخرين ويفرض عليهم العمل تحت سيطرته دون ضرب أو تعنيف رغم نهبه لهم وقتله أبناءهم، هذا جوهر الفيلم.. السيطرة كأمر واقع.

تقول أغنية شهيرة لفرقة الروك بينك فلويد، "أمي سوف يرمونني لخط النار، أمي هل سوف أقاتل من أجل الحكومة. فترد الأم: تعالي تحت جناحي، سوف تعلمك الأم كيف تحترمي الحكومة وكيف تقاتلي من أجل الحكومة" هذه الكلمات تتهيأ في ذهن المشاهد عندما يتعرف على جاك نكلسون ودوره الأيقوني في الفيلم المأخود من نفس الرواية والصادر سنة 1975. الفيلم من إخراج المخرج التشيكي ميلوش فورمان الذي كان يتحسس أولى خطواته كمهاجر في المجتمع الأمريكي آنذاك، وبالتأكيد لم يحب ما اكتشفه.

نجح الكاتب في جمع كل مكونات المجتمع الأمريكي داخل مصحته النفسية، وبقراءة لشخوص الفيلم سنرى كيف استطاع الكاتب أن يجمع كل عرقيات أمريكا في حبكة ذكية

يدور الفيلم داخل مصحة عقلية قرب الحدود الكندية، اختار المؤلف المصحة كعالم داخلي لوصف مأساة العالم الخارجي أي مأساة المجتمع الأمريكي ككل، في فترة التدهور والحرب الفيتنامية وتغول السلطة، لذلك جاء الفيلم وقبله الرواية كمنقذ للمجتمع الأمريكي ودرع ضد سياسة السلطة بالإجابة على سؤالين محورين.. كيف تسيطر الحكومات على الشعوب؟ وكيف يتم مقاومة هذه السيطرة؟ يبدأ الفيلم بلقطة تابتة لمنظر طبيعي، تستمر اللقطة لمدة طويلة تغرقنا في الحيرة سيما مع موسيقى متكررة وسرعان ما تتحول الحيرة لضجر، وهذه هي أزمة المجتمع الأمريكي، الإبقاء على الأشياء دون تغيير. وهنا نتعرف على مكمرفي الذي يحاول الطيران فوق عش الوقواق..
 

مكمرفي.. الذئب الذي طار من فوق العش

يقول الكاتب جابريل جارسيا ماركيز في ختام رائعته مائة عام من العزلة: "أول السلالة يموت تحت شجرة الكستناء وأخرهم يأكله النمل"، ثم أصيب بعد ذلك بالزهايمر، وقد بدى كأن ماركيز نجح في تدوين نهايته واختراعها كاختراعه لمصير شخصيات روايته. بعد الإعلان سنة 2016 عن إصابة الممثل جاك نيكسلون بمرض الزهايمر، وبالرجوع لأدواره المعقدة والمليئة بالجنون والعزلة قد يبدو أنه هو الآخر يجسد تيمة قدره. في فيلم أحدهم طار فوق عش المجانين الذي حصد خمس جوائز أوسكار (حصل جاك نكلسون على جائزة افضل ممثل) نجح جاك في أداء دور المتمرد، حيت كان دوره حجرة الارتكاز، وحضوره وتدفق أداءه ركن أساسي في نجاح الفيلم ووصوله لما هو عليه.

ماكمرفي الذي يقنعنا منذ الوهلة الأولى بأنه شخصية تحمل حب الحياة والتحرر بين أضلعها. يتحول الفيلم لمبارة أداء في التجسيد بين نيكلسون والممرضة الرئيسية (ليزا فلتشر)، نتعرف على الممرضة بلكنتها البريطانية الراقية وتهذيبها الذي يجسد الإنسان القاسي المتوحش، بينما يستعمل نيكسلون الشتائم واللكنة الأمريكية بالرغم من أنه شخص طيب. يحاول نيكلسون منذ البداية أن يفر من المصحة، في أولى محاولاته يرفع مضخة المياه العملاقة ليكسر بها النافذة لكنه يفشل بسبب ثقل المضخة، فيقول كلمته الشهيرة التي تحولت لعبارة سينمائية أيقونية: "على الأقل قد جربت.. أليس كذلك؟"

مصحة صغيرة.. لمجتمع كبير

نجح الكاتب في جمع كل مكونات المجتمع الأمريكي داخل مصحته النفسية، وبقراءة لشخوص الفيلم سنرى كيف استطاع الكاتب أن يجمع كل عرقيات أمريكا في حبكة ذكية. البداية بمساعدي الممرضة الرئيسية السود، وشخصية الزعيم الذي يظهر جليا أنه من الهنود الحمر، استخدمت الممرضة الرئيسية مساعدين سود للسيطرة على المرضى، لأن السود في أمريكا الشعب الأكثر اضطهادا، لذلك من الطبيعي أن يحملوا كما كبيرا من الحقد اتجاه البيض والشعب الأمريكي ككل، وأيضا لكي لا يكره المرضى الممرضة التي تمتل النظام بل أن يوجهوا كرههم للمساعدين السود، يحاول الكاتب في هذا الإسقاط أن يظهر بأن سبب الكراهية الحقيقي بين البيض والسود سببه السلطة.

أما الزعيم وهو مريض نفسي من الهنود الحمر، فقد شخصه الكاتب كرجل صامت طول الوقت، في إسقاط واضح للإبادة التي قامت بها أمريكا وطمس الهوية في حق الهنود الحمر، وبتصوير الزعيم شخصا كبيرا الحجم وقويا لكنه صامت فهذا ترميز لحكم أمريكا عليهم بالصمت وإسكاتهم للأبد، وفي آخر الفيلم سنكتشف أن الزعيم قادر على الكلام. شخصيات الفيلم الأخرى صورت كزومبي غير قادر على النقد والتعبير ولا تقوم سوى بتنفيذ الأوامر القادمة من الممرضة. شخصية الممرضة ريتشل تجسد النظام المستبد وفي أول لقطة لها تظهرها الكاميرا بزيها الأسود في لقطة تابتة غير متحركة، أما دخلة ماكميرفي فالكاميرا كانت تتحرك معه بالرغم من نفس الموضع ونفس الزاوية بينه وبين دخلة الممرضة، المخرج إذن يحاول مقارنة فكرة الركود والتبات (السلطة) بالحركة والحيوية (التمرد).

للنظام قدرة على إفقادنا التعبير، وهذا ما اكتشفناه حين سئلت الممرضة عن رأي النزلاء في مشاهدة مقابلات الكرة، لم يستطع المرضى التعبير فظلوا صامتين. كما يستطيع النظام خلق مجتمع من التافهين وذلك ما يظهر من خلال أفكار المرضى وكذلك غضبهم من الأشياء التافهة. كما أن النظام يذكرك دوما بظروفك الصعبة، عندما ذكرت الممرضة أحد المرضى بمشكلته مع زوجته وبأن العيب فيه. ميكمرفي بدور المنقذ، يحاول كسر شوكة النظام بداية بمساعدة الزعيم على لعب كرة السلة، وتوهيم الممرضة بشربه للدواء، واللقطة الأهم، التصويت على مشاهدة مبارة الكرة، والتي رغم رفض التصويت إلا أن ميكمرفي ظل يصيح ويشجع كأن التلفزيون شغال بحماس وانفعال، وكانت هذه ضربة موجعة للنظام لأنه أفقده نشوة التحكم في المصير. كما نجح مكميرفي في استدراج المساعدين السود للعب كرة السلة كضربة قاتلة للنظام الذي يحاول التفرقة بين العرقيات. خلف مكتب مدير المصحة تظهر صورة له يحمل نوعا من السمك اصطاده يحاول تصويره كإنجاز عظيم، مكميرفي فيما بعد أخذ المرضى سرا في رحلة دون علم المسؤولين للبحيرة واصطادوا نفس نوع السمك، في دلالة لسهولة تحقيق الإنجازات الإعجازية التي يصورها لنا النظام.

فلسفة السجن والعقاب لدى ميشيل فوكو

يرى الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو بأن العقاب داعم أساسي للسلطة، ومن غير المهم أن تكون مذنبا كي تعاقب، فالعقاب كأداة للسلطة غاية في ذاته وليس مجرد وسيلة، وهو غاية في ذاته من أجل المزيد من السلطة. طورت السلطة فكرة المراقبة الذاتية من أجل المزيد من السيطرة، والكل مذنب حتى تثبت صلاحيته، ويقول فوكو في كتابه "المراقبة والمعاقبة" بأن التبدي الأكثر خفة للسلطة ذلك الذي يستخدم سلطة العقل كسطح يكتب عليه ويحقق إخضاع الأجسام من خلال السيطرة على العقول والأفكار. يصور النظام الكل كمصابين بعلة وبأن أي فكرة خارجة عن السرب ستزج بك في المصحة النفسية من أجل إعادة تأهيلك.

تعود المصحة لرتابتها ونظامها المعهود بعد اختفاء مكميرفي، يصمم الزعيم على البحث عنه فيجده في غرفة خاصة وقد أجريت عليه عملية استئصال فص المخ، ليصبح مجرد قطعة لحم بلا أي شعور أو استجابة، مجرد كائن حي. هنا يصل الفيلم لقمته الدرامية حين يقرر الزعيم خنق مكميرفي ملهمهم في حب الحياة والذي بلا شك سيرفض العيش كجثة لذلك قرر حرق نفسه لإنارة طريق النزلاء، يقتله الزعيم فيتحرر للأبد.. تتصاعد الموسيقى ويهرب الزعيم، أحدهم في نهاية المطاف طار فوق عش الوقواق..



حول هذه القصة

على غير المعتاد وضع الفيلم الحل بوضوح، وكان الحل سهلاً بسيطاً: أيها الفقراء توقفوا عن التكاثر! حين تتكاثرون كالجرذان، تعيشون عالة على الدولة، تتصرفون بهمجية، تقومون بالأخطاء.

يمثل الفيلم في بعض النواحي، تجسيدا عصريا لحياة المسيح، واستطاع المخرج إعادة تجسيد قصة المسيح الذي يُعاقب بسبب خطايا الاخرين، كما يُظهر الفيلم أيضا الطبيعة الحقيقية لعقوبة الاعدام ومدى قساوتها.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة