شعار قسم مدونات

كيف للعالم أن يتغير كله بفكرة؟

blogs مجتمع

لطالما سمعنا أن الإنسان أسير معتقداته وأفكاره، وأن حياة الفرد من الممكن أن تتغير من نواحٍ مختلفة -اقتصادية أو اجتماعية أو علمية… الخ، إذا غير فكرةً ما، أو نظر لها من زاويةٍ أخرى، والأمثلة على هذا لا تكاد تُحصى، ولكن أن تتغير مجتمعات العالم كله بتغير فكرة واحدة، فهذا ما لم نعتد على سماعه، لأن تلك الحالات قد تكون معدودة على أصابع اليد الواحدة، وربما لا توجد فعلًا، وقد كتبت هذا المقال لأعرض إحدى تلك الأفكار التي كانت سببًا في تغير المجتمعات من أنثوية إلى ذكورية، ولكن قبل ذلك لا بد أن نعرف أن مصطلح "مجتمع عالي الذكورة" يشير إلى مجتمع فيه فجوة كبيرة بين أدوار الرجل وأدوار المرأة، كأن يكون دور المرأة محصورًا داخل البيت بينما يكون دور الرجل محصورًا خارجه.

أما القصة فقد بدأت حين تداعى إلى علمي اكتشاف تمثال صغير في بغاسومبوي -مقاطعة في جنوب غرب فرنسا- عام 1892، وعندما بحثت عن المزيد من التفاصيل الخاصة بالحدث وجدت أنه تمثال يجسّد وجه امرأة ترتدي قلنسوة، وقد حصل هذا التمثال على اسم "فينوس بغاسومبوي"، والتمثال الصغير يعود لـ 25000 سنة مضت، أي لفترة "العصر الحجري القديم العلوي" كما يحلو للمؤرخين تسميتها، و"فينوس" هو اسم آلهة الخصوبة والجنس والحب في الميثولوجيا الرومانية، وقد استهواني أمر التمثال فبحثت عن معلومات إضافية ذات صلة به، وكان مما وجدت اكتشافات لتماثيل أخرى تجسد آلهة قديمة أنثوية، وأذكر منها على سبيل المثال لا الحصر؛ "فينوس شلكلنغن" في ألمانيا، و"فينوس لوزيل" في فرنسا، و"فينوس مورافاني" في سلوفاكيا، و"زوجة ويستراي" في اسكتلندا، وغيرها في سويسرا وروسيا وإيطاليا وصربيا والتشيك وتركيا.

كما تغيرت الأفكار المركبة على فكرة المسؤول الأول عن الإنجاب والإستمرارية، وأبرزها فكرة التعدد، إذ لاحظ الإنسان الحجري في تواصله مع الحيوانات أن وجود أكثر من أنثى مع ذكر واحد يزيد النسل بشكل متسارع

ولم يقتصر أمر تجسيد الآلهة بالأنثى في العصر الحجر على التماثيل فقط، بل كانت هناك فنون أخرى لها الغرض نفسه وتوصل الفكرة ذاتها، مثل الرسوم على جدران الكهوف، وقد كان السؤال الحاضر في ذهني طوال الوقت، وما جذبني إلى البحث عن المزيد بخصوص هذا الأمر، هو: كيف رأى أسلافنا الحجريون المرأة حتى يعبدونها ويرسمونها ويصنعون التماثيل لها؟

لقد مثلت المرأة في العصر الحجري رمزًا للخصوبة، وهذا ببساطة لأن الإنسان الحجري لم يدرك دورَ الرجل في الإنجاب، وقد كان يعتقد أن الإنجاب منوطٌ بالمرأة وحدها، والتي كان شائعٌ زواجها من أكثر من رجل بناءً على ذلك الدور المركزي الذي تمثله، لذلك كانت أدوار المرأة في المجتمع الحجري أعلى وأهم، حتى أصبحت الكثير من الآلهة القديمة إناثًا، وكانت المجتمعات الحجرية برمتها أنثوية.
وعند انتهاء العصر الحجري -وهي مرحلة انتهاء استخدام الأدوات الحجرية وبدء الصيد والتعامل مع الحيوانات- بدء الإنسان يلاحظ أمورًا في حياة الحيوان ويبني عليها فرضيات جديدة، وكان مما لاحظ علاقة الذكر بالإنجاب، حيث أدرك أن إناث الحيوانات التي تعيش بدون ذكور لا تنجب، ليبدأ افتراض علاقة الجنس بالإنجاب، إلى أن أصبح هذا الأمر مؤكدًا فعلًا لدى الإنسان في تلك الفترة، وعرف الحجريون دور الرجل في الإنجاب، وأن ما رآه في المرأة من رمزية لاستمرار الحياة كان وهمًا، لا يتم بدون رجل، ومن هنا بدأت المعادلة تتغير، فتغيرت النظرة إلى الرجل، الذي أصبح هو رمز الاستمرار بدلًا من المرأة.

كما تغيرت الأفكار المركبة على فكرة المسؤول الأول عن الإنجاب والإستمرارية، وأبرزها فكرة التعدد، إذ لاحظ الإنسان الحجري في تواصله مع الحيوانات أن وجود أكثر من أنثى مع ذكر واحد يزيد النسل بشكل متسارع، بينما وجود المرأة مع أكثر من رجل ليس من شأنه ذلك، فانقلبت فكرة التعدد، وأصبح الرجل يتزوج من أكثر من امرأة بعد أن كانت المرأة تتزوج من أكثر من رجل، واختلف شكل المجتمعات تدريجيًا لتصبح المجتمعات ذكورية، وتتسع الفجوة بين الرجل والمرأة، فكانت الفكرة التي غيرت شكل المجتمعات منذ انتهاء العصر الحجري حتى يومنا هذا، والجدير بالذكر أن المجتمعات المعاصرة كلها ذكورية، وتختلف أدوار الرجل عن المرأة فيها بدرجات متفاوتة.