ألم يحن أوان توطين الفلسطينيين في لبنان؟!

لم تعد القضية متعلقة بقرار إداري صادر عن وزير العمل تجاه اللاجئين الفلسطينيين في لبنان. فتأييد التيار الوطني الحر وقبله حزب الكتائب للقرار يكشف عن وجود خلفية طائفية لتطبيقه، ويسعى لمعاملة اللاجئ الفلسطيني كأجنبي، عليه الاستحصال على إجازة عمل لمزاولة أي مهنة. الأمر إذاً لا يتعلق بتنظيم العمالة في لبنان، ولا بمواجهة صفقة القرن، بل بالحرص على التضييق على الفلسطينيين وقبلهم السوريين، "لتطفيشهم" تجنباً للمزيد من الخلل الطائفي الحاصل.

 

الراية التي يرفعها هؤلاء لتبرير إجراءاتهم العنصرية بحق الفلسطينيين هي رفض التوطين، ودعم حق العودة، وهي راية يتشارك برفعها جميع اللبنانيين وإن اختلفت الدوافع والمبررات. هو موقف اتُخذ منذ وصول أول لاجئ فلسطيني للأراضي اللبنانية عام 1948، ومنذ ذلك الحين لم تتم مراجعة هذا الموقف، علماً أن الظروف تغيّرت، والأحوال تبدّلت. ربما تكون المخاوف المسيحية من توطين الفلسطينيين ما زالت قائمة ومنطقية، ولكن ماذا عن مخاوف المسلمين؟ هل إذا تم توطين الفلسطينيين في لبنان ومنحهم الجنسية، هل سيؤثر ذلك على القضية الفلسطينية وهل سيضرّ بحقهم في العودة؟

حق العودة راية يجب التمسك بها وعدم التخلي عنها، كمدخل لإبقاء القضية الفلسطينية حيّة وفاعلة وللمطالبة بإنهاء الاحتلال. ولا خوف على فلسطين، فهي كانت وستبقى حيّة في قلوب أهلها أينما حلّوا

هل من المجدي أن تستمر معاناة الفلسطينيين والتضييق عليهم والإساءة إليهم تحت شعار حق العودة؟ ألا يستحق الفلسطينيون بعد مرور أكثر من سبعين عاماً على نكبتهم أن يعيشوا بكرامة؟ هل فعلاً رفض التوطين يساهم بدعم القضية الفلسطينية أم أنه لا يؤثر عليها ويضيّق على أهلها؟ لماذا لا ننظر للنموذج الأردني وكيفية تعامله مع القضية؟ فقد تم منح الجنسية الأردنية للفلسطينيين وباتوا مواطنين كغيرهم، ودخلوا مجلس النواب واحتلوا المناصب العليا في الدولة، رغم ذلك مازالوا متمسكين بفلسطين، يدافعون عنها في كل المنابر، ولم يشكك أحد بوطنيتهم.

 

ما المشكلة بأن يتم منح الجنسية اللبنانية للفلسطينيين، وأن يصبحوا مواطنين كبقية اللبنانيين، يتشاركون معهم في كل الحقوق والواجبات، ويكونوا مؤثرين في السياسة والاقتصاد والمجتمع. فهل من المنطقي أن يتم تغييب هذه الشريحة عن التمثيل في الحياة السياسية والاقتصادية والإعلامية؟ أي قارئ للسياسة اللبنانية يدرك أن مشروع التوطين لن يمرّ في لبنان أقلّه في المدى المنظور، لأسباب تتعلق بخصوصية لبنان وتوزيعه الديمغرافي، فما ينطبق على الأردن لا ينطبق على لبنان. لكن فارقاً كبيراً بين عدم حصول التوطين فعلاً وبين عدم المطالبة به. فقد تكون هذه المطالبة مدخلاً لتحسين أوضاع الفلسطينيين ومخيماتهم على قاعدة أخف الضررين بالنسبة للبعض، فتحسين أوضاع الفلسطينيين سيكون خياراً مفضّلاً لهذا البعض إذا كان الخيار المقابل هو توطينهم ومنحهم الجنسية.

 

تبقى قضية هامة أخرى يجب الإشارة إليها ولن تعجب كثيرين. لا جدال في تمسك الفلسطينيين بالعودة كحق وكقضية، لكن من قال إن الفلسطينيين يريدون العودة إلى فلسطين فعلاً. لنفترض أن فلسطين تحررت غداً من الاحتلال الإسرائيلي وبات بإمكان الفلسطينيين المنتشرين في أصقاع الأرض العودة إليها، كم نسبة الذين سيعودون فعلاً؟ هناك آلاف الفلسطينيين الذين استحصلوا على جنسيات أجنبية تتيح لهم دخول الأراضي المحتلة والعيش فيها، لكنهم لم يفعلوا. ربما يأتون لزيارتها لكنهم سريعاً ما يعودون للبلد الذي أتوا منه. ربّ قائل إن السبب هو رفض الفلسطينيين العيش تحت الاحتلال. في عهد الرئيس محمد مرسي رحمة الله عليه فُتحت أبواب قطاع غزة المحرّر، وبات بإمكان الفلسطينيين دخوله والاستقرار فيه لمن أراد. آلاف الفلسطينيين دخلوا غزة فعلاً، لوّحوا بيمناهم بالكوفية وبيسراهم رسموا شارة النصر، ورقصوا على أغنية "راجعين راجعين شهداء بالملايين"، ثم ما لبثوا أن غادروا غزة وعادوا للأرض التي أتوا منها، وهذا شمل الذين تتحدر أصولهم من غزة نفسها.

 

حق العودة راية يجب التمسك بها وعدم التخلي عنها، كمدخل لإبقاء القضية الفلسطينية حيّة وفاعلة وللمطالبة بإنهاء الاحتلال. ولا خوف على فلسطين، فهي كانت وستبقى حيّة في قلوب أهلها أينما حلّوا. كما أن توطين الفلسطينيين في أي بقعة من العالم لن يؤثر لا على القضية ولا على حق العودة.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة