الهوية السودانية في مفترق طرق

في أربعينيات القرن الماضي، إبان الاحتلال البريطاني، تغنى عملاق الأغنية الوطنية السودانية، العطبراوي.. أنا سوداني أنا. يفخر فيها بانتمائه إلى شجرة العُرب، قبل أن يذهب بعيدا في تمجيد العروبة على عادة شعرائها. عملاق آخر من عمالقة الفن السوداني، الكاشف، أخذ طريقا مغايرا.. أنا إفريقي أنا سوداني، واضعا السودان في إطاره الجغرافي (في أكثر الأغاني الوطنية رواجا اليوم بين ثوار الثورة السودانية). لكن حكومات سودانية متعاقبة وعبر عقود من الزمن تبنت هيمنة النزعة العربية نهجا في سياساتها الداخلية والخارجية – على حساب غيرها من الثقافات ذات الحضارات القديمة قدم الإنسان والنيل في الداخل، وعلى حساب انتمائها لمحيطها الإفريقي في الخارج.

 

سؤال الهوية هذا بات ملحّا أيما إلحاح في سودان الثورة. كيف لا وقد دارت حروب إبادة في غرب هذا البلد المترامي الأطراف، قطبُ رحاها تمييزٌ بين "العرب" و"الزُرقة" – على الرغم من أن كثيرا من سكان السودان هم في واقع الأمر نتاج تزاوج بين قبائل إفريقية قديمة وبين مهاجرين أتوا من جهة الشمال وأحيانا الشرق، عربا كانوا أم تركا أم غير ذلك. تهميش الثقافات ما خلا العربية جاء تحت مظلة القومية العربية تارة. ثم بعد أن خبت جذوة القوميين العرب (بعدما أوردوا دولا المهالك) جاء التهميش تحت مظلة مشروع حضاري "إسلامي" – تبيّن السودانيون بالتجربة أنه أبعد ما يكون عن الإسلام والحضارة. لكن سؤال ارتباط الإسلام الذي هو دين الغالبية العظمى من السودانيين، بالهوية العربية التي هي محل نزاع، هو سؤال لم يعد بالإمكان تجاهله.

 

فرق بين أن تكون مسلما في إفريقيا وبين أن تكون مسلما إفريقيا.. فالأول له عقلية المُغترب المرتهَنة منذ زمن لمحيط آخر (شرق أوسطي غالبا) بل وربما تتهدده كل ثقافة غير تلك التي يرى نفسه فيها، فيعمل على إقصائها. أما الثاني، المسلم الإفريقي، فهو ابن أرضه ووقته، قد تبيّن قيم وشعائر ومقاصد دينه في رسوخها. كما تبيّن ما يتغير منه بتغير المكان والزمان والحال والعرف، على ضوء نظر أهل الفقه -والخبراء كل في مجاله- عبر آليات التفاعل مع الواقع والمتوقَّع، من تحقيق مناط وغيره. ولهذا النظر تبعاته في العلاقة بين الدين والدولة ليس هذا مقامها.

 

ويجدر بالدول العربية فهم المزاج العام في سودان الثورة وما بعدها، وكيف أن اتفاق الحكومة الانتقالية -بين قوى الحرية والتغيير وبين المجلس العسكري- الذي أبرم مؤخرا بوساطة إفريقية-أثيوبية ما كان من المتصور أن يرى النور تحت وساطة عربية متمثلة في جامعة الدول العربية مثلا، لأسباب موضوعية. أحدها أن كثيرا من السودانيين يرى أن جريمة فض اعتصام القيادة العامة الدامي في آخر أيام رمضان ضد الثوار السلميين قد تمت بمباركة دول عربية كبرى، تهيمن فيما تهيمن على الجامعة العربية. كما أن ما آلت إليه أغلب دول الربيع العربي قد يجعل من الحكمة، على الأقل في المنظور القريب، النأي عن تيارات وقوى إقليمية معادية لخيارات الشعوب.

 

فضلا عن أن المنطقة العربية تعاني فيما تعاني، أحيانا كثيرة، مشاكل تفرقة لسنا بحاجتها، يعرفها ذوو الوجوه السمر من النوبيين في شمال وادي النيل. وما أصحاب البشرة الداكنة بمنأى عن التمييز الصريح أو الضمني في غيرها من الدول العربية – في وقت يخطو فيه العالم خطوات بعيدة في قضايا العِرق واللون والهويات متعددة الأبعاد بل وانتماء الفرد لمدن وأماكن عدة في قارات مختلفة في آن واحد (being multi-local) حري بنا أن نلحق بركبها. ومما يثلج الصدر وجود مهاجرين من إثيوبيا ومن سوريا وغيرها بين ظهرانينا، وكل ما يثرون به مدينتهم الخرطوم وغيرها من مدن السودان، ثقافيا ومهنيا.

 

اليوم يجد السوداني نفسه في موقع قد يؤهله لأن يبيّن بالعمل كيفية مجابهة ديكتاتوريات المنطقة – ملتزما السلمية الصارمة – وكيفية إرساء قواعد الدولة المدنية الرشيدة. وقد يلهم أول ما يلهم شعوبا عربية ترزح تحت وطأة الاستبداد. لكن المفارقة هي أنه قد يكون على السودان أن يضع عن كاهله بعضا من أوزار الهوية العربية أولا، لأجل هوية متعددة الأبعاد..



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة