العقاد.. عبقريّ العبقريات

blogs العقاد

عندما رحل عن الدنيا في عام 1964، لم يترك وراءه ولدا أو زوجة أو ثروة، وإنما ترك عشرات الكتب والدواوين ومئات الآراء والأفكار، فاستحق أن يصبح ممن دونت أسماؤهم بحروف من نور في تاريخ الأدب والفكر العربي. ليس هذا فقط، وإنما حفر الرجل لنفسه مكانا بين عظماء عصره، بفضل خليط من الكفاح والروح الثورية والاعتداد بالنفس، تحت مظلة من روح وثّابة وعزيمة لا تلين. 

 

في أسوان، بأقصى جنوب مصر جاء مولد عباس محمود العقاد في 1889 وهو العام الذي شهد مولد قامة أخرى تمثلت في عميد الأدب العربي طه حسين. وفي سن مبكر بدأت موهبة العقاد الأدبية تظهر كزهرة تتفتح قبل الأوان، حيث اشتهر في مدرسته الابتدائية بكتابة موضوعات الإنشاء والشعر فضلا عن نهمه اللافت للقراءة ليتنبأ مدرس اللغة العربية بأنه سيكون أديبا ذا شأن.

 

عمل العقاد بالصحافة مستعينا بثقافته وسعة اطلاعه فاشترك مع محمد فريد وجدي في إصدار صحيفة الدستور، ثم اشتهر عبر العمل الصحفي بالدفاع عن حقوق الوطن في الحرية والاستقلال

لكن حظه العاثر، وربما السعيد على غير المألوف، أن رحلته مع الدراسة المدرسية انتهت عند المرحلة الابتدائية بسبب ظروف أسرته التي لم تكن تسمح بإرساله إلى القاهرة لإكمال تعليمه، فتكفل هو نفسه بإكمال المهمة على خير وجه، فاعتمد على جهده الذاتي مبتدئا رحلة كفاح علم فيها نفسه بنفسه ليصبح بعد سنوات في مكانة يغبطه عليها حتى من وصلوا في مراحل التعليم إلى منتهاها. 

 

انتقل الشاب عباس إلى القاهرة ليبدأ البحث عن وظيفة، فعمل في مصلحة التلغراف وكذلك في السكة الحديد كما حصل على وظيفة في وزارة الأوقاف وهو في الرابعة عشرة من عمره، بعد أن نجح في امتحان القبول وكان الأول على كل المتقدمين. لكن الوظيفة لم تكن نهاية المراد لهذا الشاب الطموح، فقد واصل دأبه في القراءة النهمة، وحرص على أن يذهب كل مساء إلى حيث الندوات الأدبية أو الاجتماعات السياسية.   

 

يقول محمد المنسي قنديل في كتابه "عظماء في طفولتهم" إن العقاد كان يقسم راتبه من الوظيفة إلى ثلاثة أقسام متساوية أولها للسكن وثانيها للطعام والشراب وثالثا لشراء الكتب، فقد كان يرى أن الثقافة تساوي الغذاء ومثلما يحشو الإنسان بطنه بالطعام عليه أيضا أن يحشو عقله بالمعرفة. 

 

ويحكي قنديل أن العقاد لقي تعنتا شديدا من مديره بسبب اهتمامه بالثقافة، فجعل ينقله من وظيفة لأخرى، ثم تحول لمعاقبته بالخصم من راتبه، حتى جاءته الفرصة ليتخلص من هذا الموظف المثقف عندما طالع إحدى الصحف فوجد مقالا بعنوان "الوظيفة رقّ القرن العشرين" كتبها العقاد نفسه وانتقد فيها نظام الوظائف وتحكم الرؤساء. 

 

حمل المدير الصحيفة في يده مسرعا إلى عباس كي يخبره بقرار الفصل ففاجأه الشاب المثقف بورقة الاستقالة ليصبح هذا آخر عهده بالوظائف الحكومية حيث تحول وهو في الثامنة عشرة، إلى الكتابة التي باتت وظيفته الدائمة مثلما ظلت القراءة شغله الشاغل وكلمة السر في حياته الحافلة. 

 

يوضح العقاد بنفسه أهمية القراءة في حياته فيقول "لست أهوى القراءة لأكتب، ولا أهوى القراءة لأزداد عمراً في تقدير الحساب، وإنما أهوى القراءة لأن عندي حياة واحدة، وحياة واحدة لا تكفيني، والقراءة -دون غيرها- هي التي تعطيني أكثر من حياة، لأنها تزيد هذه الحياة من ناحية العمق" قبل أن يؤكد "إذا كان المرشدون ينصحونك بأن تقرأ ما ينفعك، فأنا أقول لك بل انتفع بما تقرأ". 

 

عمل العقاد بالصحافة مستعينا بثقافته وسعة اطلاعه فاشترك مع محمد فريد وجدي في إصدار صحيفة الدستور، ثم اشتهر عبر العمل الصحفي بالدفاع عن حقوق الوطن في الحرية والاستقلال ليذيع صيته ويدخل إلى عالم السياسة عبر انتخابه عضوا في مجلس النواب. 

 

وفي عمله السياسي، ظل العقاد محتفظا بطبيعته الأبية ونفسه العزيزة بل قل أحيانا العدائية تجاه من يظن به شرا، ولذلك عندما أراد الملك فؤاد أن يسقط عبارتين من الدستور تنص إحداهما على أن الأمة مصدر السلطات، والأخرى على أن الوزارة مسئولة أمام البرلمان، ارتفع صوت العقاد كعادته مؤكدا أن "الأمة على استعداد لأن تسحق أكبر رأس في البلاد يخون الدستور ولا يصونه". 

 

وكان ثمن هذا الموقف، دخوله السجن لتسعة أشهر، بتهمة العيب في الذات الملكية، لكن ذلك لم يوقف يوما صراحته الرجل أو حتى حبه للمعارك، وكيف لا وهو القائل: "ما  الإرادة إلا كالسيف يصدئه الإهمال، ويشحذه الضرب والنزال"، فخاض في مجال الأدب معارك عديدة كان أبرزها مع مصطفى صادق الرافعي حول إعجاز القرآن، وكذلك مع طه حسين حول فلسفة أبي العلاء المعري، والشاعر جميل الزهاوي حول ما يتنازع الشاعر من ملكة فلسفية علمية وملكة شعرية من جهة أخرى.

undefined

كان العقاد ذا ثقافة واسعة، واشتهر بأنه موسوعي المعرفة. فكان يقرأ في التاريخ الإنساني والفلسفة والأدب وعلم النفس وعلم الاجتماع، بدأ حياته الكتابية بالشعر والنقد، ثم أضاف الكتابة في الفلسفة والدين، كما دافع عن الحرية والجمال. وقرض العقاد الشعر في وقت مبكر، فنشر ديوانه الأول "يقظة الصباح" عام 1916 وعمره آنذاك 27 عاما، ثم أتبعه بتسعة دواوين أخرى هي، وهج الظهيرة، أشباح الأصيل، أشجان الليل، وحي الأربعين، هدية الكروان، عابر سبيل، أعاصير مغرب ، بعد الأعاصير، ما بعد البعد.

وشارك الرجل مع كل من إبراهيم المازني وعبد الرحمن شكري في إنشاء "مدرسة الديوان" وهي حركة تجديدية في الشعر العربي ظهرت في النصف الأول من القرن العشرين، ودعت إلى التمرد على الأساليب القديمة المتبعة في الشعر العربي سواء في الشكل أو المضمون أو البناء أو اللغة. ونال شعر العقاد إشادة لافتة من طه حسين الذي قال خلال حفل لتكريمه عام 1934، "تسألونني لماذا أومن بالعقاد في الشعر الحديث وأومن به وحده، وجوابي يسير جدا، لأنني أجد عند العقاد مالا أجده عند غيره من الشعراء.. لأني حين أسمع شعر العقاد أو حين أخلو إلى شعر العقاد فإنما أسمع نفسي وأخلو إلى نفسي. وحين اسمع شعر العقاد إنما أسمع الحياة المصرية الحديثة وأتبين المستقبل الرائع للأدب العربي الحديث".

 

أما زكي نجيب محمود فوصف شعر العقاد بأنه "البصر الموحي إلى البصيرة، والحس المحرك لقوة الخيال، والمحدود الذي ينتهي إلى اللامحدود". في المقابل، اعتبر مارون عبود أن العقاد الناثر كان أفضل من الشاعر، ورأى أن شعره افتقد إلى مقومات الحياة والخلود، وجاء أقرب إلى المنظومات التعليمية كألفية ابن مالك.

 

وعلى أي حال، فإن الشهرة الأكبر للعقاد لم تأت من الشعر وإنما من النثر، فاقترن اسمه بسلسلة من الأعمال الأدبية كان أبرزها تلك التي تناولت أعلام الدين الإسلامي واشتهرت بالعبقريات، فكتب عبقرية محمد وعبقرية الصديق وعبقرية عمر وعبقرية خالد، ثم اتخذ وجهة فلسفية فكتب، "الله" و"الفلسفة القرآنية" و"إبليس".

 

 يقول أنيس منصور عن أستاذه العقاد إنه "يحضر الدنيا إليه، ويحضر التاريخ والأنبياء وأهم الشخصيات في العالم، ليقلب فيها بأنامله، ويحركها ويشكلها ويقرأها ويحكيها كما شاء، وكيفما شاء".  لكن العبقريات وغيرها من الكتابات الدينية لم تخل أيضا من نقد، فحسب دراسة لجابر قميحة فقد اعتبر رجاء النقاش أن العقاد "لم يلجأ إلى الكتابات الدينية بعامة، والعبقريات الإسلامية بخاصة إلا لدوافع وبواعث سياسية نفعية، أذ أنه بعد أن استقال من حزب الوفد ـ وهو حزب الأغلبية ـ أحس أنه خسر جماهيريًا، فوجد أن الدين هو البديل الذي يوصله إلى قلوب الجماهير، فكتب العبقريات". 

 

كما انتقد سيد قطب منهج العبقريات واعتبر أنه "انطوى على أخطار ومزالق، لأن الاكتفاء بالسمات البارزة، والخصائص الكبيرة والحوادث المختارة لا يكفل تصوير الشخصية من كل جوانبها، وفي جميع ملابساتها، ولا يضمن لنا صورة من الحياة المتسلسلة للبطل ـ كما عاشها أول مرة، أي لا يضمن لنا سمة القصة، وهي سمة ضرورية في ترجمة الشخصية".

ويبقى أن العقاد لم يغفل الكتابة عن نفسه فجاء كتابه الشهير "أنا" الذي جمع فيه سلسلة مقالات كتبها عن نفسه، وتناول فيها حياته الشخصية والاجتماعية وكذلك الأدبية والسياسية. يقول العبقري في كتابه "لن أتحدث بطبيعة الحال عن "عباس العقاد" كما خلقه الله.. ولا كما يراه الناس.. وإنما كما أراه، بالاختصار هو شيء آخر مختلف كل الاختلاف عن الشخص الذي يراه الكثيرون، من الأصدقاء أو من الأعداء.. هو شخص أستغربه كل الاستغراب حين أسمعهم يصفونه أو يتحدثون عنه، حتى ليخطر لي في أكثر الأحيان انهم يتحدثون عن إنسان لم اعرفه قط ولم ألتق به مرة في مكان".  

 

ويواصل العقاد إثارة دهشة قرائه فيقول، "فعباس العقاد هو في رأي بعض الناس مع اختلاف التعبير وحسن النية، هو رجل مفرط الكبرياء.. ورجل مفرط القسوة والجفاء، ورجل يعيش بين الكتب ولا يباشر الحياة كما يباشرها سائر الناس، ورجل يملكه سلطان المنطق والتفكير ولا سلطان للقلب ولا العاطفة عليه، ورجل يصبح ويمسي في الجد الصارم فلا تفترّ شفتاه بضحكة واحدة إلا بعد استغفار واغتصاب".  

 

وتزداد الحيرة عندما يؤكد: "هذا هو عباس العقاد في رأي بعض الناس، وأقسم بكل ما يقسم به الرجل الشريف أن عباس العقاد هذا رجل لا أعرفه، ولا رأيتهُ، ولا عشت معه لحظة واحدة، ولا التقيت به في طريق". ومع كل هذا التنوع والثراء الأدبي نادر النظير، فقد ظل العقاد حتى توفي في 1964، وفيا لأنفته واعتزازه بنفسه فقال "أنا لا يهمني كم من الناس أرضيت.. ولكن يهمني أي نوع من الناس أقنعت".



حول هذه القصة

blogs العقاد

يعتبر العقاد من أكبر الكتّاب العرب في القرن العشرين، وأغزرهم إنتاجاً، وسمّاه سعد زغلول “جبار المنطق”، وكان متنوع الإنتاج فكتب الشعر، وأنشأ مدرسة شعرية سُميت “مدرسة الديوان”.

blogs عباس العقاد

كتب العقاد كتابه “هتلر في الميزان” نقدَ فيه النازيّة وعنصريّتها، وذلك بسبب ميل المصريين حينذاك إلى هتلر والنازيّة كيْ يُخلّصَهم من الاحتلال الإنجليزي، مما دفعَ العقّاد لنقده وبيان طامّاته.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة