بين اللاجئين الأفغان واللاجئين السوريين… قصة تجربتين

بزّت تركيا باكستان بتبوئها الدولة الأولى في استقبال أكبر كتلة لاجئين منذ الحرب العالمية الثانية، فحتى ربيع عام 2011 كانت باكستان هي الدولة المتربعة على عرش ملكة دول العالم في استقبال المهاجرين بسبب الحرب الأفغانية التي شنها السوفييت أواخر عام 1979 على الشعب الأفغاني، فقد بلغ عددهم يومها حوالي الثلاثة ملايين ونصف المليون لاجئ، لكن العدوان الروسي والأسدي على الشعب السوري جعل من تركيا أن تتفوق على باكستان فوفقاً لإحصائيات تركية رسمية حديثة فإن عدد اللاجئين السوريين فاق الخمسة ملايين لاجئ ونيف..

 

مثل هذا العدد الضخم من اللاجئين كان بحاجة إلى التعامل معه بشكل ذكي ولمديات بعيدة، والاستفادة من تجارب الآخرين، والاستفادة منه أيضاً كاستراتيجية تخدم الثورة، لا أن تكون عبئاً عليها وعلى المضيفين، فتقلل من الانعكاسات السلبية على تركيا و على دول المنطقة بشكل عام، ولكن للأسف تم التعامل مع ملف اللاجئين بشكل تكتيكي عفوي غير مهني، وكأن الثورة ستنتصر قريباً، ولا حاجة للتفكير البعيد المدى، فبرز حينها شعار أنهم ضيوف، وهو ما جردهم من حقوقهم كلاجئين، وجرّد معهم المجتمع الدولي من مسؤولياته تجاه خمسة ملايين لاجئ سوري، إلاّ ما تجود به نفسه على هؤلاء، دون أن يكون هناك التزامات قانونية على المجتمع الدولي..

 

همسة أخيرة في أذن كل معني بملف اللاجئين السوريين في تركيا وغيرها مفادها أن السوريين لطالما كانوا قرون استشعار للعرب جميعاً وخير رسل للدول التي تستضيفهم، فهم رسل علاقات عامة بجدارة

بينما كان على الحكومة التركية أن تجعل من وجود اللاجئين قضية أمن قومي تركي بعيداً عن المساجلات الحزبية الضيقة، ما داموا يمسون تركيا حاضراً ومستقبلاً، ولكن عدم دعوة الأحزاب التركية إلى طاولة واحدة للبحث معها في هذه المسألة الحساسة والملحة حال دون التوصل لاتفاق بشأنهم، فضلاً عن آلية للتعاطي معهم، كمسألة أمن قومي تركي بعيداً عن السجالات الحزبية والانتصارات أو الهزائم الانتخابية السريعة الزوال، فوجودهم يمس كل تركي ويمس معه حاضر تركيا ومستقبلها، ما دامت الشخصية التركية كدولة على المحك لوجود هذا العدد الضخم من اللاجئين القادمين من دولة مجاورة تتجاور معهم أكثر من 900 كم، وقضية كهذه ستلقي بتداعياتها الخطيرة على المدى البعيد، وربما تشكل مستقبل أجيال، ومستقبل علاقات بين البلدين المحكومين بجغرافيا طويلة، ومعها تاريخ شاهد على أن سوريا أبعد من جارة فهي ستحدد جيران تركيا كونها بوابتها إلى العالم وبوابة العالم إليها..

 

على صعيد الائتلاف الوطني كان من المفترض أن يتم التعامل مع اللاجئين على أنها قضية أساسية في كل المفاوضات وقد كتبت في هذا غير مرة، إذ نجحت باكستان ضياء الحق بوضع بند اللاجئين على كل مفاوضات جنيف مع الروس والحكومة الأفغانية العميلة بحيث تم تثبيت عودة اللاجئين الأفغان بـ"العزة والكرامة" المصطلح الذي اشتهر يومها، وهو ما فسر من كل القانونيين والحقوقيين بأن الأسباب التي دفعتهم وألجأتهم للهجرة واللجوء ينبغي أن تنتفي قبل أن يعودوا إليها، وسبب عدم العودة هو النظام الشيوعي والاحتلال السوفياتي، وهو الأمر الذي تم تغييبه في الثورة السورية..

 

اللافت أن العدوان في كلا التجربتين واحد، وهو العدوان الروسي ونظامه العميل في أفغانستان وسوريا، لقد كان على المعارضة السورية التأكيد وبشكل يومي بأن الثورة السورية هي خط الدفاع الأخير عن تركيا وسقوطها لا سمح الله انهيار لكل الخطوط، ذاك ما حذر منه أربكان من قبل، وهو ما حصل أيام هجمة محمد علي باشا عبر نجله إبراهيم باشا الذي وصل إلى كوتاهية عبر سوريا، وكما كان الباكستانيون يتحدثون بأن سقوط أفغانستان سيحول الباكستانيين إلى مرادوف وحمدوف وجانوف، فإن سقوط سوريا لا سمح الله سيحول تركيا والأتراك إلى مصطفوف، وسعيدوف وطورانوف وزاهدوف لا سمح الله.. 

 

همسة أخيرة في أذن كل معني بملف اللاجئين السوريين في تركيا وغيرها مفادها أن السوريين لطالما كانوا قرون استشعار للعرب جميعاً وخير رسل للدول التي تستضيفهم، فهم رسل علاقات عامة بجدارة، والتعرض لهم، قد يؤثر على نظرة العرب من ورائهم على هذه الدولة أو تلك، فيتم تشكيل رأي عام عربي سلبي أو إيجابي، بحسب النظرة التي سيشكلونها فيتشكل معها نظرة العرب من خلفهم..



حول هذه القصة

من الأهداف التي يتطلع إليها الروس من خلال حديثهم عن ملف الإعمار وإعادة اللاجئين محاولة طمس جرائمهم التي شردت ملايين السوريين وقتلت آلاف المدنيين، والظهور أمام العالم بمظهر حامي الاستقرار.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة