الجاهلون بحضارتهم.. ماذا قال محمد أسد؟!

قبل ما يقرب عن مائة عام في منطقتنا العربية، حدث التقسيم وتشكلت الدول بأسمائها الآن.. والسؤال: كيف كانت الظروف الاجتماعية والثقافية والدينية في ظل هذه التغيرات؟ وما الذي مهّد لكل هذا؟! في كتاب (الطريق إلى مكة) لكاتبه (ليوبولد فايس – محمد أسد بعد ذلك)، وجدتُّ بعض الإجابات التي تصف الحقيقة بشكل موضوعي لا ينحاز لطرف على آخر لانعدام المصلحة في ذلك ربما.. وربما لأن الكتاب يُعتبر سيرة ذاتية لفايس نفسه، فقد روى ما حدث وما شاهد من حقائق تاريخية مزجها بأسلوب روائي جميل..

‎نشأ فايس في عائلة يهودية محافظة من جمهورية النمسا.. قبل أن يعتنق الإسلام الذي يصفه كما يراه المستشرقون بعيونهم التي تؤمن بالمحسوسات أكثر من الروحانيات.. وكان مما أثار استغرابه تراجع فكر المسلمين وحضارتهم، على الرغم من أنه لم يجد في الإسلام ما يحبط الهمم أو يؤجلها.. إن ما صار إليه حال المسلمين كان محط نظر واستهجان بالنسبة له كما يقول.. ‎بدأ فايس رحلته إلى المنطقة العربية بعمله مراسلًا صحفيا للصحف الأجنبية، مما مكنه هذا العمل من السفر لدول كثيرة في الشرق العربي، منها فلسطين ومصر والسعودية في مرحلة نشأتها كما التقى بالعديد من الشخصيات المهمة التي شكَّلت تاريخ المنطقة العربية كالملك عبد العزيز بن سعود. 

علينا أن نقرأ تاريخنا جيِّدًا من خلال موروثنا الثقافي الكبير والسمين، ونستحضر من حوادثه العبر والإجابات التي تدفعنا لتمييز ما هو غثٌّ يُزرع في نفوسنا المريضة لمصلحة سياسة غربية تضمن للحكام عروشهم، وللُّصوص كروشهم في سبيل بقائنا في غيبوبة فكرية

‎وبمعرفته بابن سعود أجاب بموضوعية عن أسئلة لطالما ترددت في أذهان الكثير.. فهل ما قام به ابن سعود من توحيد للمنطقة وحرب على القبائل كان بهدف خلافة إسلامية جديدة بعد سقوط الخلافة العثمانية؟ أم كانت بهدف تأسيس ملك له ولأبنائه من بعده؟ ‎أم هل ما قام به من تحالف مع بريطانيا العظمى آنذاك ودعم الأخيرة له بالمال والسلاح كان خيانة للأمة الإسلامية أم كانت تحالفات سياسية بالدرجة الأولى فرضتها الظروف السياسية في ذلك الوقت؟ لم يكتف فايس بهذا؛ بل وصف الشرق العربيَّ والجزيرة العربية وصفا فنيا رائعا من خلال تعايشه مع الطبيعة المناخية التي تتميز بها هذه المنطقة.. وهو الذي تنقل بين أنحائها انتقالا بدائيا على ظهور الجمال في صحراء قاحلة، تعرَّض فيها لمخاطر عديدة..

التقى في حياته بالمجاهد عمر المختار أثناء مهمة سريِّة كُلّف بها من السنوسي.. وعن الأخير تحدث عن أسباب سقوط حركته التي كان من الممكن أن تُحدث تغييرا كبيرا في ليبيا بل وفي المغرب العربي تحت وطأة الاستعمار الغربي. ‎توصَّل محمد أسد بعد ذلك إلى الإجابات الحقيقة عن كل التساؤلات التي كانت تدور في ذهنه عندما بدأ رحلته.. منها ما هو ديني؛ فقد اعتنق الإسلام من خلال تلك الإجابات التي وصل إليها.. حيث يقول: ‏‎"جاءني الإسلام متسللاً كالنور إلى قلبي المظلم، ولكن ليبقى فيه إلى الأبد". ومنها ما هو حضاري، إذ يشرح أسباب ضعف الأمة الإسلامية وكيف السبيل إلى عودتها أمة رائدة وهي التي تملك كل المقومات لذلك!، لقد تفاعل مع كل قضايا الأمة في كل أنحاءها وحكى عن لقائه بالشاعر والمفكر (محمد إقبال) في الهند.

ومن هذين المنطلقين فالكتاب يُعتبر دعوة للإسلام لغير العرب من الأوروبيين فالكاتب منهم ويطرح تساؤلاتهم الغربية التي لا تعرف عن الإسلام شيء غير ما يصل إليهم.. وما يصل أغلبه فاسد.. ليس ذلك وحسب بل كل تلك التصورات الخاطئة مبنية على ثقافتهم المختلفة عن ثقافتنا باختلاف المكان والتاريخ الذي شكل المجتمع الغربي وهويته. ‎العالم العربي والإسلامي يمر بأزمة فكرية عميقة انعكست على حضارته التي أصبحت من الماضي، وأثَّرت على سلوكه الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.. حتى وصل بِنَا الأمر إلى هذا الحال المُشين الذي لو رآه (محمد أسد) أو غيره من المستشرقين الذين أنصفوا هذه الأمة العظيمة من قبل.. فلربما اصيبوا بسكتة قلبية كسكتتنا العقلية الآن.

علينا أن نقرأ تاريخنا جيِّدًا من خلال موروثنا الثقافي الكبير والسمين، ونستحضر من حوادثه العبر والإجابات التي تدفعنا لتمييز ما هو غثٌّ يُزرع في نفوسنا المريضة لمصلحة سياسة غربية تضمن للحكام عروشهم، وللُّصوص كروشهم في سبيل بقائنا في غيبوبة فكرية، تتلاشى معها كل نهضة حضارية قد تُعيد للأمة عزتها ومكانتها من جديد. كل ما نحتاجه الآن هو "ثورة"! لكنها ليست سياسية؛ فما حدث من ثورات في بلادنا باتت انتكاسات في أغلبها بفعل ثوراتٍ مضادة نجحت في وأد أمل الشعوب في ظل جهل بالحقائق والخيانات المتتابعة.. الأمل بعد الله في ثورة فكرية تقوم على أساس الوعي في المقام الأول التي تنبذ كل الأفكار الخاطئة والمُشوِّهة عمدًا لتاريخنا كي لا نستطيع أن نستمد من هذا التاريخ فهمٌ لحاضرٍ ولا بناءٌ لمستقبلٍ مشرِّف كما نستحق.. أو على الأقل كما قالوا عنَّا.
—————————————————————————————————————–
مصدر:
– الطريق إلى مكة/ محمد أسد



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة