"أنا مغربي إذن أنا جزائري"..

"أنا مغربي إذن أنا جزائري".. ليس شعار حركة سياسية أو عنوان مبادرة نخبوية وحدوية تلقي حجرا في المياه الراكدة. إنه صرخة يافطة نصبها مواطنون في مقهى شعبي بمدينة فاس المغربية، بينما كان جمهور الحي يتابع مباراة للمحاربين. طافت الصورة صفحات الفايسبوك وعلق عليها الموجوعون بالفصل القسري على ضفتي الحدود، حنينا وعهدا متجددا. كنت قد لعنت العالم الافتراضي وهو يشتعل بالدعاوى الغوغائية التي تركب الحمية البخسة لتحفر الأخاديد بين الشعوب والأفراد، ثم عدت لأحمده وهو يتحول إلى رسول يقفز على الأسوار ويلتهم المسافات ليعيد صياغة الجغرافيا الأولى، اللحمة البريئة قبل أن يجزها مشرط الخبث الاستعماري وجنون الدولة القطرية التائهة.

التحق بهذه الصورة البليغة لليافطة مشهد حي أقوى لشريط فيديو جال المواقع، من النقطة التي سميت حدا بين البلدين، المكان الذي أصبح محجا مفتوحا للمغاربة والجزائريين، يطلون فيه على ما ضاع من ماضيهم ومستقبلهم، يحصون فيه الخسارات العبثية التي يكبدها عقوق الذاكرة ومعاندة حسابات العصر. مدخل السعيدية الساحلية احتشد بالجماهير المغربية التي اصطفت مقابل جمع من الجزائريين المغتبطين بتأهل إلى نصف نهائي الكأس الأفريقية، لينطلق نشيد "خاوة خاوة" الذي يغمرني يقين نادر في زمن الخيبات والانهيارات، بأنه سيصنع ملحمة تجب هبة الألمان لهدم جدار برلين. مشهد أوفى حق الدم المشترك الذي نزف في سبيل الحرية هنا في مجاهل هذه الشعاب.

كل ما يجمع الناس بلا تعبئة مفتعلة، كل ما يداعب شغفهم وانفعالهم، نافع ليظل الجسد ملتئما مالكا لحيوية الاستمرار والممانعة، ولئلا يذوي المشروع الوحدوي في هوج عالم فقد حس الاختيار

هذه المرة على الأقل، كان إعلام البلدين في موعد دوره التاريخي. مراسلات المؤسسات الإعلامية، من العمومية والخاصة، التلفزيونية منها والإلكترونية، نقلت بحس إنساني أجواء التلاحم التي طبعت لقاء الأخوة في المدرجات والساحات المصرية. بعضهم وزع العلمين وشما على خديه. تبادلوا التمائم والشعارات، واصطفوا يهتزون على إيقاعات تنبض بحرارة شبيبة معطلة الأحلام، طافحة بالطاقة والحماس. ماذا يحدث حين يلتقي أحدهما الآخر. الأمر أشبه باكتشاف صورة الذات في المرآة. التشابه مذهل حد الإرباك. نفهم سر عاطفة وجاذبية متبادلة ظلت تتدفق عبر سنين من القطائع السياسية والإديولوجية. نفهم أيضا حتى سر ذلك الاحتكاك الحاد الذي قد يطبع العلاقات بين القطرين. حب الإخوة ثابت، لكنه معرض لآفات الزمن. قد يضمر ويتآكل ثم ينبعث طازجا كأن الشقاق لم يكن. وقد ينحرف خصومة حارة ومريرة، لأنها بالذات خصومة إخوة، تأخذهم الغفلة وأنانية الكائن ونزعة تأكيد الذات تجاه الآخر. كل قدر جميل ينطوي على فصل من المأساوية. لابأس.

أجيال نشأت في حضن الدولة الوطنية لما بعد الاستقلال. تلقت تنشئة سياسية وتشربت الولاء للكيان كعقيدة. بطاقة الهوية وجواز السفر أكبر من وثيقتي تعريف. حين يحدث اللقاء، لا أحد ينسى انتماءه، واعتزازه بثوابته وبحصيلة نصف قرن وأكثر من الانصهار في جماعة سياسية وطنية. لا ينسى ذلك، لكنه يتذكر أن النهر الذي يجري واحد. صخرة في الطريق شقت له ذراعين. كان له اسم، وصار اسمين. على الأرض، تكتسي الحقائق وجهها الأنصع. هذا الولد المغربي الذي يهتف للخضر لا يجد في صنيعه أمرا يستحق التفسير. فعمومته وأبناؤها على الجانب الآخر من الوادي، فكيف لا يهتف لفرحهم. أما الراعي، الذي ظلت تهيم أغنامه على الضفة الأخرى، ثم تعود إلى حظيرتها بحاستها الغريزية، فيحمل بطاقة هوية، لكنه يعتذر بأن رعيته غير معنية بالانشطار الطارئ، ولا حدود في عرفها لموردها من ماء وكلإ. أما بالنسبة لهذا الشيخ، فلا يعني له السياج شيئا. الخريطة التي تسكن وعيه شبكة طرق التفافية، خنادق، مسالك لتهريب السلاح والمؤن.. ودماء ممتزجة، سالت نصرة لحركة التحرير الجزائرية المجيدة. هل يسأل شهيد من أين أتى؟.

كان عمري 17 حين اكتشفت هذا المكان الذي يحفظ أسطورة النهر الذي تفرع جدولين. أوقف الخال سيارته في طريقنا إلى الشاطئ، كما يفعل آخرون يكتشفون بذهول أسطورة حدود تبحث عن معنى هارب. طالعني سرب الأعلام الجزائرية ترفرف على الطريق البري الموازي على بعد أمتار. يتعاقب الناس عند ضفتي الوادي. يلوحون بأيديهم لوجوه مجهولة. وجدت نفسي أفعل ونبضي يتسارع. ومنذئذ، كلما طوحت بي رياح الشرق، أتوقف في مكان يوثق لعبث الإنسان بالجغرافيا والتاريخ. ألوح، وأغالب دمعا في أثر شيء ضائع.

كل ما يجمع الناس بلا تعبئة مفتعلة، كل ما يداعب شغفهم وانفعالهم، نافع ليظل الجسد ملتئما مالكا لحيوية الاستمرار والممانعة، ولئلا يذوي المشروع الوحدوي في هوج عالم فقد حس الاختيار. الرياضة، الفن، الثقافة، السياحة… قنوات تضخ دماء جديدة في الشعور الوحدوي حتى بغض النظر عن هاجس اطلاق الرسائل الى الفاعل السياسي أو ممارسة نوع من الضغط الشعبي على صناع القرارات. من الضروري أن يلتقي الناس، عمومهم ونخبهم، ليعرفوا كم هم متشابهون، وأن رحلتهم انطلقت من بيت واحد.

كنت أضع يدي على قلبي وأمني النفس ألا يضيع هوج الانتماء وتعصب المنافسة ما صانته الذاكرة الوحدوية كل هذه الأزمنة. شعب البسطاء في المغرب والجزائر لا يخطئ ممر النور، وجهاز تحديد المواقع حي نابض يفضي إلى ذات الطريق… والعين على مدى بلا متاريس… مجددا وإلى الأبد: خاوة خاوة..



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة