هكذا كانت صدمة الأستاذ العقاد باغتيال صديقه أحمد ماهر باشا

كان الأستاذ عباس محمود العقاد ١٨٨٩-١٩٦٤ صديقا للدكتور أحمد ماهر باشا ١٨٨٨-١٩٤٥، وكان الدكتور أحمد ماهر واحدا من المتأثرين بفكر الأستاذ العقاد إلى الدرجة التي يمكن معها الزعم بأن انشقاقه مع زميله النقراشي باشا ١٨٨٨-١٩٤٨ على زعامة النحاس باشا ١٨٧٩ – ١٩٦٥ كان صدى لانشقاق الأستاذ العقاد على النحاس باشا منذ منتصف الثلاثينات.

 

يستهل الأستاذ عباس محمود العقاد قصيدته شهيد الوطن بالتعبير عما لا يزال يسيطر عليه من صدمته باغتيال صديقه على نحو ما حدثت تلك المفاجئة، وهي الوفاة التي لا يصدقها أو لا يتصورها حين نظم قصيدته، وذلك على الرغم من أنه كان هو نفسه قريبا من الموقع الذي شهد اغتيال أحمد ماهر بسبب عضويته في البرلمان، ولهذا فإنه رأى أثر الحادث وسمع الطلق الناري:

 

لم أصدِّقْ وقد رأيتُ بعيني … وسمعتُ الطَّلق المريبَ بأذني

"ماهرٌ" في النديِّ يُجنى عليه … ويدٌ قيل من بني مصر تجني؟

أشبهُ الصدقِ بالأباطيل هذا … ويكَ أمسِكْ جاوزت غاية ظني

لم أصدِّقْ وما لحيٍّ دوامٌ … والمنايا تطوف في كل ركن

غير أن الكيد الذي كاده الجا … ني له الويل لا يطيف بذهن

ثم يبدأ الأستاذ العقاد في رثاء أحمد ماهر باشا معددا صفاته المعنوية من خلال الحديث عن جوارحه وأعضائه، وما تؤديه هذه الجوارح والأعضاء، وكأنه أصبح يفتقد أثر هذه المكونات الحيوية بوفاة صاحب هذه الحياة، وهو لهذا يلجأ إلى نمط من الاستفهامات الاستنكارية المعروفة في لغة الشرقيين حين يفجعهم الموت فيمن يظنون أن من الأولى بهم أن يدخروه للمهام العظمى والملمات المفاجئة:

 

أيُّ رأس رمى وأي فؤادٍ … نال منه وأي صدرٍ وحضن؟

أَفَيُرْمَى بِالْمَوْتِ أوسعُ صدرٍ … لبني قومه وأمنع حصن؟

أَفَيُرْمَى بِالْمَوْتِ قلبٌ يحوطُ النا … سَ حبًّا ولا يحيط بضغن؟

أَفَيُرْمَى بِالْمَوْتِ رأسٌ تولَّى… مجد مصرٍ برأيه المطمئن

يُعْمِلُ الرأيَ للبلاد ويَلقى … معولَ الموت هادمًا وهو يبني؟

ويعبر الأستاذ العقاد عن أساه مما فعله التجني الظالم المسيء بحياة هذا الرجل العظيم:

يا ضلالَ الجدود في هذه الد … نيا ويا سوأةً لذاك التجني!

أمنَتْ تلكمُ المقاتل لو يأ … منُ في الناس كلُّ صاحب أمن

لو تردُّ النياتُ غرب سلاحٍ … رَدَّ عنه السلاحَ ألفُ مجن

 

ويعود الأستاذ عباس العقاد ليكرر التعبير الباكي المندهش عن حزنه من خلال وصف حال الأمة التي كانت تريد أن تلتقي بأحمد ماهر باشا لتسعد بلقائه لا لتدفنه، وكأنها تريد في تلك اللحظة لو أن النعش الذي يحمل جثمانه ما جاء في موعده:

لم أصدِّقْ وقد رأيتُ بعيني … أمَّةَ النيلِ في حدادٍ وحزن

حزنت غير أنها ليس تدري … أللقيا تجمَّعَتْ أم لدفنِ

أعمق الصمت صمتها وهي حيرى … بين صدق الأسى ووهم التمني

ترقبُ النعشَ قادمًا يتأنَّى … وتمنَّت لو طال ذاك التأني

أوجعُ الشكِّ شَكُّ ساعة هولٍ … في يقين يُدمي العيونَ ويضني

المسجَّى يا أيُّها الجمعُ هذا … أفتدري مَنْ ذا يكون أجبني؟

إنه «أحمدُ» الذي كان فينا … مُنْذُ يومٍ رضوانَ كلِّ مهني

من يصدق هذا يصدق عظيمًا … من بلاء الدنيا يشيب ويفني

 

ويصف الأستاذ العقاد صديقه الراحل أحمد ماهر باشا من خلال التأمل العميق والمتأني الذي تسجله عينه المعجبة بمحيا الزعيم أحمد ماهر باشا وعقله ومقدمه وأساريره وثباته وأداءه:

لم أصدِّقْ والأربعون أمامي … كُلُّ ساعاتهن ساعة بين

كم تمثلته وأحسب أني … إن أحقق رأيته نصب عيني

مقبلًا ضاحك الأسارير سمحًا … ثابت الجأش لا يُلِمُّ بوهن

فُجِعَتْ مصر فيه بالقائد الأسـ … ـبق والأوحد الذي لا يثنِّي

ويعدد الأستاذ العقاد بعض ما يذكره لصديقه لزعيم أحمد ماهر من ملامح بارزة في الصفات المتعددة التي كان له حظ وافر منها من قبيل الزعامة والقيادة والعطاء والجهاد والمخاطرة والعطاء والصفح والكرم، وهو يقول:

بالزعيم الأمين في كل رأيٍ … والوزير القدير في كل فن

والحسيب الموفى لكل حسابٍ … والخطيب الذي يقول ويعني

الذي فارق المناصب جهرًا … بصريح من رأيه لا يكني

والذي أنفق الشباب جهادًا … في خطارٍ على الحياة وسجن

والذي أجزل العطاء لمصرٍ … هبةً منه لا تشابُ بضَنِّ

والذي لا يسيء يومًا ويعفو … عن مسيء إليه في غير من

والذي كان في «النديِّ» إمامًا … وَسَطَ العدل حين يُقصي ويُدني

عز فينا دستور مصر بشرحٍ … من هُداهُ لا يستعاض بمتن

لن يقولَ الصديقُ فيه مقالًا …  يتأباه خصمه حين يُثني



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة