في حضرة الترند.. شيخٌ في الميزان!

إن للبطولات ميادين شتى؛ ذلك أنَّها غيرُ قاصرةٍ على بطولة الجهاد، ونصرة المبدأ والعقيدة بالتنظيم والقوة فحسب، ثمة بطولة أعظم خطرًا وأصعب اقتناصًا من ذلك، هي بطولة الفكر والنقد، والبحث عن الحقيقة المجردة، هذا الصراع الأبدي، الذي يعلمنا التاريخ أنه طالما كان مكمن الخلاص؛ فأي أمة تهتم ببناء العقل، وتخليصه من شرور الجمود، وهزل التبعية، وهوان النسخ، وسوء التكرار، هي أمة ناهضة لا شك؛ فالمفكر أو الناقد لا يعتمد إلا على قوة عقله، وثبات عزيمته، ورجاحة تفكيره، وكثيرًا ما تسيء الجماهير فهم مراده، وإدراك جهاده؛ إذ يصطدم أول ما يصطدم بالآراء الشائعة، المتعصبة لفكرة بشرية -هنالك دائمًا مساحة للنقد والاختلاف عليها- وهو بذلك يدخل ميدان معركة مستعرة؛ ذلك أنَّه لا يحاول أن يهزم أجسادًا، أو يحطم قيودًا لا تخضع إلا لمبادئ القوة فحسب، بل يهذب نفسًا، ويقوِّم عقلًا، ويثبت حقائق، ويرد شبهًا موبوءة، ويبطل حججًا محمومة، فإذا كان النصر حليفه -ولا شك سيكون- كان أثره عظيمًا، لا في جيله فحسب، ولا في عصره فحسب، ولكن في موكب الإنسانية طليعة تلو طليعة.

وقبل أن تتساءل، أو تستعجب، من علاقة الفكر بالسندوتش، توقف معي هنيهة عند معنى "سندوتش" المشطور وما بينه طازج، إنه خيارٌ سهل، تطلبه وأنت واقف في مطعم، وتأكله وأنت سائر في طريق، وتهضمه على عجلة وأنت جالس تنجز أمرًا آخر، عملية سريعة، لا تستجهدك ترتيبًا أو تفكيرًا، صاعقة نزلت بالمجتمع الإسلامي طارئة في صورة عادة جديدة، فأفقدته والأسرة منافع الالتفاف حول مائدة واحدة؛ ذلك أنَّ هذه العادة فرقت الجمع، وأضعفت الصحة، وأفسدت الهضم، وهدمت النظام، وحولت أنس العشرة إلى قطيعة خفية؛ إذ أعدمت إيثار المائدة، وأظلمت نور وحدتها، فكثر الخطف، وشاع القطف، حتى سُلِبت المائدة بهجتها، وفارقت الروح جلستها، فما بات وجودها إلا كصورة هشة، شوهاء، تأسف على الماضي سرًا، وتتبع الحاضر، والعادة جهرًا.

المُطلِع، المُتفكِرُ في مقالات شيخ الترند، يفطن إلى أنه لا يكتب إلا أنصاف أفكار، ولا يحلل عقله إلا بقايا وجهات نظر، ولا تستقيم لغته إلا ركيكة، جدباء، ولا يسري أسلوبه في النفس إلا فقيرًا، لا يعرف للبيان سبيل

وجناية شيخ الترند على الفكر الإسلامي في دروسه ودوراته معظمها، لا تختلف كثيرًا، في سرعتها، وسطحيتها، وفسادها عن هذا النوع من الطعام؛ فهي غالبها لقفات من التاريخ، ونتفات من الكتب، وخطفات من الأحاديث، ولمحات من القرآن، يلقنها الشيخ إلى طلابه تلقينًا أعمى، يميت الفكر، ويضعف النظر، ويثبط ملكة النقد، بل يعدمها، فيبث التبعية، ويزرع العبودية، ويَجري في نفوس الطلاب مجرى الداء الفتاك، فما يترك منهم إنسانًا إلا ويسلبه عقله، فيفقده القدرة على التحليل، ويمنعه الوصول إلى حسن التدبير.

فما يتكلم منهم أحد، إلا ويخرج صوته، كالببغاء؛ إذ يتشدق بصدى الفتات، ويلوك حواشي النتفات، ويكتب نفس الخطفات، تمامًا كما يفعل الشيخ، حتى يلوي الواحد منهم لسانه، ويبدل ملامحه، من فرط التقليد الأعمى، كأنهم على كثرتهم وتنوعهم، آلات بشرية، لا تنطق إلا ما سيَّره إليهم صاحبهم، إضافة إلى دفاعهم الغاضب عن الشيخ -لا لشيءٍ إلا- لأن سيف النقد قد طاله، بل يتحول عند بعضهم نفاقًا، كأن الإسلام عندهم قد قام على ستة آخرها، نفاق شيخ الترند، وعلى ذلك فلا نقاش حقيق بالاستماع يُثار، ولا مدارسة خليقة بالخلود، وتربية الفكر، وبناء العقل تُدار، والشيخ -كما يقول الواقع- من ذلك في رضى، وربما غبطة.

ولمّا كان النقد الخليق بالقراءة -لا المزيف- الفارق الأوحد بين موت فكرة وخلودها؛ إذ يدب العطب في كل فكرة لم تتلقاها العقول، وتتداولها الأفهام بحثًا وتحليلًا، حتى يشملها الجمود، كان لزامًا على قلمنا، متى جرى نقدًا لإحياء فكرة، وتقويمها، أن يجري مجرى الحق وحده، ومن ثَمَّ أرأيتك -أيها القارئ- إن ذكرت لك أمثلة، واقعية، فندناها، وحللناها -رغم ضيق المساحة لذلك، ولكن سنفصل للمزيد مرة أخرى- حتى تكون الحجة ثابتة فرضها، ضامنة رجاحتها، أن تُنزل عقلك منزل البحث والتحليل مرة أخرى.

المشهد الأول

في دورة الشيخ الأشهر ما لا يسع المسلم جهله، كان حديث الشيخ -معظمه- مزاحًا سخيفًا، يثير حفيظة المستمع، وينفر المتعلم، ويبعث في النفس كل البواعث التي تؤكد ثقل ظل المتحدث، وإساءة اختيار طريقة العرض، وتسطيح الأمور، حتى غطى السفه، والخطل كل جملة، بل إنك من شدة المزاح، تشك في أن المتحدث أمامك، ممثل كوميدي فاشل؛ فلا نكتة يحسن، ولا مادة دينية متزنة يقول، حديث عماده اللغو، حتى أنك تجدُّ جد من يصعد جبلًا حتى تصل إلى المعلومة، وتقيدها، وليس ذلك من حسن القرب إلى الناس في شيء، ولا ذلك مخاطبة للناس على قدر عقولهم، إنما هي الحماقة، والبحث عن رضى الناس، حتى أنك من فرط قهقهة الحاضرين، ستخيل نفسك في مسرحية هابطة، من مسرحيات "مسرح مصر"، المُلفت في الأمر، أن تعليقات غالبية الناس -من غير أتباعه- على هذه الدورة في موقع You Tube قد أجمعت على ذلك

المشهد الثاني

صدق، أو لا تصدق، في دورة أخرى دارت تحت عنوان هتاف الصامتين، بادر الشيخ بسؤال الحاضرين، عن سبب الحضور إلى هذه الدورة تحديدًا، فكانت إجابات ما يقارب نصف الحضور، تدور في فلك واحد، هو إما الصدفة، أو الفراغ، أو العبث، وهذا ما يؤكد، طرح البداية، أن أعمال الشيخ معظمها، لا يزيد العمل منها عن كونه سندوتش فكري رخيص، ربما تمر صدفة، فتقرر أن تشتريه، وربما يعييك الملل والفراغ، فتهم بشرائه، الملفت في الأمر، أن الشيخ لا يعير اهتمامًا لذلك، ولا يؤسفه أن يمر بمثل هذا الموقف، الذي ربما يشق له فؤاد العاقل، الفهام حزنًا.

المشهد الثالث
مرحبًا بكل من طرح فكرة مغايرة؛ فإن هدفنا من ذلك كله، ثقل الفكر الإسلامي، وإثراء العقل العربي، وإعادة النقد إلى الحياة الفكرية من جديد، والوقوف بالمرصاد، لكل الذين يزرعون الشوك في طريق الإسلام

في دورة أخرى عن المغالطات المنطقية، كان الشيخ يلوي أعناق الجمل لويًا ملفتًا، ويؤول السطور والتعريفات تأويلًا فاسدًا؛ إذ كلما هم بفقرة يلقنها آلاته البشرية، أراد أن يخرجها من ناحية دينية صريحة، فخرجت مشوهة اللفظ، تفتقر إلى رجاحة العقل، وثقل النظر، وحسن التصريف؛ ذلك أن الشيخ فقير البلاغة، مجدب العقل، ليس له من محاسن العربية، شيمة ظاهرة أو خفية، كأنه لما أراد أن يتلبس بالفكر غصبًا، أبت اللغة حَصِفة إلا أن تظهر ما تستبطنه جمله المكررة، وأفكاره المنسوخة.

المشهد الرابع

في منشورٍ حديث، كتبه الشيخ على فيسبوك، عن موضوع الزواج وإشكالية السن المرغوبة، قرأه جملة المطلعين في مصر، ثم لم يلبث الشيخ أربعة وعشرين ساعة، حتى هم بحذفه، ويعد ذلك المنشور أول كلام له، خارج سياق النص الديني، الذي طالما عهده به المتابعون، وعظًا، وبيعًا للأمل؛ إذ قامت عليه الدنيا ولم تقعد، واختلف أكثر الناس للمرة الأولى على شيءٍ كتبه من عقله، وعبر فيه عن وجهة نظره، غير أن هذا المكتوب لم يؤكد إلا حقيقة واحدة، ارتأيتها وذكرتها في المقال الأول، ونصحته بها، لكن الغرور قد ركبه، فأرغم عقله على الإنكار؛ ذلك أنَّه قاصر عن تمثيل الإسلام، في ميدان الفكر، والنقاش، عاجز عن تفسير النص في ضوء الحياة المتسارعة، ليس له صلة بالفكر الذي يبني ويقوُّم العقل؛ إذ كان طرحه ناقصًا كل النقص، يفتقر لأي شيمة، خليق أن يتحلى بها أي طرح يمثل الإسلام

المشهد الخامس

المُطلِع، المُتفكِرُ في مقالات شيخ الترند، يفطن إلى أنه لا يكتب إلا أنصاف أفكار، ولا يحلل عقله إلا بقايا وجهات نظر، ولا تستقيم لغته إلا ركيكة، جدباء، ولا يسري أسلوبه في النفس إلا فقيرًا، لا يعرف للبيان سبيل، فلا يحسن تفصيله تفنيد فكرة، على وجهيها، ولا يتناول إجماله فقرة إلا تعقيدًا؛ فيدور حول المعنى، بجمل قصيرة، متقطعة، كأنه تائه، نزل في أرض غريبة، يتجلى ذلك وضوحًا في مقاله الأخير عن الكاتب أحمد خالد توفيق -رحمه الله- فمن ناحية أظهر المقال، بعده كل البعد عن الأدب العربي، وضعف ملكته، وخواء جعبته، فما كتب إلا صدى، وما روى إلا سردًا أعوج، وما وصف إلا أحداثًا جامدة، لا عاطفة تغلفها، ولا حرارة تبض بها الكلمات، حسبه انفعال أهوج، تلبس بما تلبس به المهللون وقت الحدث.

ذلك غيض من فيض وجهتي أصلته على أساس واضح، مفصل، لا يستند إلا على الثابت، المحقق، الذي قد يكون وصفًا لأكثر من شيخ، يتنقل من ترندٍ إلى آخر، فأيان جاء رد فعل آلات الشيخ -أي شيخ- الصماء، فإننا من ذلك، في راحة بال، وسلامة نفس، غير أن الباب على مصرعيه، فمرحبًا بكل من طرح فكرة مغايرة؛ فإن هدفنا من ذلك كله، ثقل الفكر الإسلامي، وإثراء العقل العربي، وإعادة النقد إلى الحياة الفكرية من جديد، والوقوف بالمرصاد، لكل الذين يزرعون الشوك في طريق الإسلام، ويدعون أنهم يحسنون صنعا.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة