logo

هل رحيل الرئيس مرسي يمكن أن يحيي الثورة؟

المؤسسة التي أعمل بها، يعمل بها العديد من الجنسيات العربية، يوم وفاة الرئيس محمد مرسي رحمة الله عليه، فوجئ المصريون بأنهم يتلقوا العزاء الصادق من مختلف الجنسيات الأخرى، بعدها بساعات وبعد انتشار ردود الأفعال وورود أخبار صلوات الغائب في كل مكان في العالم، اكتشفنا أن هناك حالة حقيقية من الحزن عمت الأمة العربية والإسلامية، مصر لديها مكانة خاصة في قلوب العرب والمسلمين، إلا قليلا، والرئيس مرسي مثَل الأمل في عودة مصر لدورها في قيادة الأمة للنهضة والاستقلال والعودة لتاريخها المشرف، فقد كان "واحد مننا" بالفعل، فللمرة الأولى في منطقتنا، ينجح مواطن عادي، طيب، من الطبقة المتوسطة، يصلي، أسرته ملتزمة، ليس من أصحاب النفوذ أو الأموال أو المناصب الرسمية، في الوصول للحكم، كان ذلك مفاجأة سارة للأحرار في كل مكان، فتح الباب أمام الآمال المشروعة للشعوب في إمكانية وجود شخص وطني يحكمهم في يوم من الأيام.

 

وبالفعل عندما وصل للحكم، كانت همومه هي هموم الشارع، ينحاز إلى غزة، يؤيد الثورة السورية، يؤرقه ارتفاع الأسعار، يهتم بكرامة المواطنين جميعا وليس طبقة معينة، يسعى في الخير، فكان النموذج الذي يطمح إليه كل وطني مخلص، لسنا هنا بصدد تقييم أدائه الفعلي كرئيس، فالطبع كانت له إيجابياته وسلبياته، لكن بشكل إجمالي كان نموذج مختلف علينا يتوق إليه كثيرون، ومثل رحيله صدمة للجميع مع انحسار هذا الأمل، لذا كان الحزن الكبير الذي أصاب معظم العرب من المحيط إلى الخليج، ومعظم المسلمين، من نيوزيلاندا شرقا إلى كاليفورنيا غربا ومن جنوب أفريقيا جنوبا حتى الدنمارك والسويد شمالا. وفي الشارع المصري، هناك حالة حزن حقيقية على رحيل مرسي، إذن لماذا كمية الشماتة والسفالة التي ظهرت بعد موته خاصة على وسائل التواصل الاجتماعي، فهنا يجب أن نحلل الشرائح التي فرحت لوفاته: 

انكشف تعطش العسكر ومن يواليهم للبقاء في الحكم، مهما كان الثمن غاليا من دماء وأموال وأعراض أو تعريض البلد بأكملها لخطر الفناء، واستغلال العبارات الوطنية الفضفاضة مثل "الحفاظ على مؤسسات الدولة"

1- إعلام السامسونج وأذرعه المختلفة من مذيعين تابعين وقنوات فضائية كاملة وصحف ورقية ومواقع إلكترونية وذباب ولجان الكترونية والجمهور المُسيطر عليه بواسطة هذا الإعلام بالكلية، وفي مقدمته حزب الكنبة وكبار السن.

2- الدولة العميقة وتشمل الجيش والشرطة والقضاء ومؤسسات الدولة والمؤسسات الخاصة المرتبطة بها ورجال الأعمال الكبار وعائلات من سبق كلهم والمحيطين بهم والمنتفعين منهم والدوائر القريبة منهم.

3- العنصريون والطبقيون الذين كان يزعجهم ويؤرقهم بشدة أن يحكمهم شخص عادي بدون خلفية عسكرية، لا يشبههم، بلحية وزوجته ترتدي الخمار، يسكن في شقة عادية إيجار جديد، يمشي بدون موكب مهيب ويصلي في المسجد ويسمح للآخرين بانتقاده.

4- كارهو تيار الإسلام السياسي وهم منتشرون في أوساط الناصريين والليبراليين والعلمانيين واليساريين والأقباط.

5- بعض التيارات الإسلامية مثل الصوفية والمداخلة والمرتبطة بالقاعدة وتنظيم الدولة.

6- المتلونون والخائفون من قمع النظام والمضطرون إلى مسايرة الجو الرسمي العام وإلا اتهموا بالنفاق والإرهاب.

بحسبة بسيطة يكون العدد غير قليل ويتميز بالصوت العالي والنفوذ، وانعكس هذا جليا في الكتلة التصويتية التي انتخبت الفريق أحمد شفيق في انتخابات 2012، وأضف لهم من تأثر بثلاثين يونيو وحملات تشويه الإخوان المنظمة، فنحن نتكلم عن كتلة من 15 إلى 20 مليون مصري على الأقل وملايين من نفس العقلية عربيا. كيف تحول الرئيس مرسي رحمه الله إلى رمز للصمود؟ كما ذكرنا الدكتور مرسي إنسان مصري عادي، رب أسرة، صالح، حافظ للقرآن، أستاذ جامعي، لديه خبرة سياسية جيدة، لكنه ليس الوحيد فهناك أيضا نماذج مثله، فجأة وجد نفسه في وجه المدفع بعد أن زجت به جماعته في معركة لم يكن مستعدا لها، لكن ذلك لم يمنعه من بذل قصارى جهده وفقا لإمكانياته وطاقته مع إخلاص النية، ورغم أن مدة رئاسته كانت سنة واحدة ومن الصعب تقييمها بمعايير صادقة خاصة بعد أن تبين أن الدولة العميقة وأنصارها من الخارج كانوا يحاربونه بكل طاقتهم، ولكنه مثل أي شخص تولى المنصب، اجتهد فأصاب وأخطأ مثله مثل أي رئيس.

اتفق الجميع على نزاهته ولم يستطع أعداؤه أن يسجلوا عليه أي تجاوز ولو بسيط، تعرض لحملة إعلامية مضللة يمكن وصفها بأكبر عملية لتزييف الوعي القومي في التاريخ الحديث، حتى وصل الأمر للثلاثين من يونيو وما تلاها من انقلاب في الثالث من يوليو 2013، فمنذ ذلك التاريخ بدأت رحلة الصمود الحقيقية والتاريخية للرئيس مرسي. فبعد رفضه التنازل عن الحكم أو الدعوة لانتخابات جديدة أو الرضوخ للظالمين بأي شكل من الأشكال، تعرض للاعتقال وما صاحبه من حملة تنكيل وإهانة وتعذيب نفسي وبدني وظلم شديد ولفقت له التهم ووضع في قفص زجاجي، وحُرم فيها من حريته وأسرته وعلاجه وعٌزل تماما عن العالم الخارجي، وكما قال وصدق فيما قال، دفع حياته ثمنا للشرعية، لكن نتائج هذا الصمود كانت مذهلة:

– انكشف تعطش العسكر ومن يواليهم للبقاء في الحكم، مهما كان الثمن غاليا من دماء وأموال وأعراض أو تعريض البلد بأكملها لخطر الفناء، واستغلال العبارات الوطنية الفضفاضة مثل "الحفاظ على مؤسسات الدولة" والتي يقصد بها الحفاظ على مصلحة طبقات معينة واستمرار سيطرتها على خيرات البلاد في تطبيق السياسات القمعية والقضاء على الحريات.

– انكشاف أسطورة تدخل الغرب (الخارج بشكل عام وليس الغرب فقط) من أجل إعلاء وترسيخ قيم الديموقراطية وحقوق الإنسان، فكلها شعارات حنجورية فقط، لكن التحرك الفعلي والجانب الذي يتم دعمه، يتوقف على المصالح المالية والسياسية والاقتصادية والأمنية (خاصة المرتبطة بإسرائيل) والاستراتيجية للخارج، فهي الدافع والمحرك الرئيسي وبالتأكيد عندما يتعلق الأمر بإمكانية استقلال بلد محوري مثل مصر بقراره ويكون الحكم فيه له طابع إسلامي مع خروجه من فلك التبعية، فهنا يكون القرار مختلف تماما.

– معظم التحذيرات التي حذر منها الرئيس مرسي خلال فترة حكمه القصيرة تحققت بالفعل، رغم أنه وقتها اعتبرها البعض سطحية وليس لها معنى وسخر الكثيرون منها، فقد انتهكت أعراض النساء، وبيعت البلد، واكتوى الناس بارتفاع الأسعار وعاد امتهان كرامة وانتهاك الحقوق ليصبح هو الأصل إلا لطبقة معينة وسُلط علينا كلاب الأعداء بعد أن نحينا أسودنا، وتدهورت مكانة مصر السياسية والاقتصادية وأصبحت "شبه دولة" مرتهن قرارها بدويلات وتحولنا إلى أضحوكة العالم بالفعل كما حذر الشيخ البصير حازم صلاح أبو إسماعيل.
– انتهاء أسطورة التنازل عن بعض مبادئك وأصولك من أجل إرضاء الأطراف الأخرى، فقد اثبتت التجربة أنك لو تنازلت مرة فلن يتوقف هذا التنازل، فالتوافق ممكن لكن بشروط وضمانات.
– يجب أن تمتلك البدائل من أجل حماية مشروعك والحفاظ عليه.

الخلاصة، "لا تحسبوه شرا لكم، بل هو خير لكم"، فرحيل الدكتور مرسي رغم الحزن الكبير والقهر المصاحب له إلا أنه كان بالتأكيد راحة له، لأن سجانيه لم يكونوا ليفرجوا عنه أبدا بعد أن مارسوا ضده سياسة القتل البطئ والإمعان في التنكيل وكانوا سيستمرون في محاولات كسره لأنه الرمز الذي يذكرهم دائما بعدم شرعيتهم والدماء التي سفكوها وخيانتهم للأمانة، ومن ناحية أخرى قد تكون هذه الوفاة سببا في إحياء الثورة من جديد، فردود الأفعال الاستثنائية بعد وفاته أثبتت أن جذوة الثورة لا تزال موجودة تحت الرماد وتحتاج لبعض الجهود من أجل إشعالها من جديد، وأن الظالمين رغم تفوقهم في كل شيء إلا أن فرائصهم ترتعد، بعد أن أدركوا أن المليارات التي انفقوها على مدار 8 سنوات فشلت في القضاء على شعبية خصمهم اللدود، وأن استيقاظ الشعب هو كابوس سيظل يؤرقهم دوما. 



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة