على الفراعنة أن يفقهوا تجربة محاربي الصحراء جيدا!

عند الحديث عن كرة القدم فإن الأمر لا يقتصر على كرة يركض خلفها الراكضون وتنتهي بربح أو خسارة؛ بل تفوق ذلك بكثير، ويكمن السر في ذلك عندما تحمل قدماك آمال وتطلعات الملايين، وأن تكون مصدر بهجة وسرور، وأن تنتزع الانتصار على حساب منافسك كي تنتشل أحلام شعبك لتصبح حقيقة! وكأي شيءٍ في هذه الحياة، تسير كرة القدم وفق معادلةٍ واضحة مفادها أنك لن تجني الثمار بغير ضربة فأس في البداية، والكثير من الرعاية والمتابعة، ولعل بطولة الأمم الأفريقية المقامة في مصر درسٌ صريحٌ لمن أراد أن يطرب بنشيد بلاده الوطني في نهائي البطولة، وعبرة لمن يخشى أن يخرج منتخب بلاده من الباب الضيق من الأدوار الأولى، إذ تشكلت في هذه البطولة عدة محطات، أخفق فيها الفراعنة فاستحقوا هذه الهزيمة النكراء، وعلى عكسهم تماماً تألق محاربو الصحراء عند كل محطة فاستحقوا أن يتزين بهم النهائي كممثل للعرب.

ولا شك أن أهم سببٍ استحق من خلاله منتخب الجزائر الوصول إلى هذا الإنجاز هو الانضباط وتحمل المسؤوليات، وقد أعطى محاربو الصحراء درساً في ذلك، بدايةً من تعيين مدربٍ يفقه كرة القدم ويحسن في انتقاء لاعبين قادرين على العطاء على المستويين الفني والوطني، وعلى الجانب المقابل تماماً تجد مدرب المنتخب المصري ضعيفٌ فنياً وإدارياً، إضافة إلى اختيارات اللاعبين الغير منطقية، مروراً بالأداء الكارثي التكتيكي أثناء المباريات، وتمثل الإنضباط أيضاً في الطريقة التي تُدار بها المنظومة الرياضية في الجزائر، ومثال ذلك حادثة اللاعب يوسف البليلي الذي ثبت تعاطيه لمادة محظورة ليُمنع بعدها من ممارسة كرة القدم لمدة عامين كاملين، ليعود بعد أن استغل هذه المدة في تطوير لياقته وأدائه، ويتم العفو عنه بعد ذلك ويكون واحداً من محاربي منتخب بلاده ويخطف الأضواء في أدائه على أرض الميدان، بينما كانت المنظومة الإدارية للرياضة المصرية تُعاني من تخبط شديد وضعفٍ في اتخاذ القرارات، وكانت الطامة الكبرى في أزمة اللاعب عمرو وردة؛ والذي تورط في قضايا تحرش ليتم استبعاده من تشكيلة المنتخب بقرار إداري، ليتراجع اتحاد الكرة الضعيف عن قراره في ذات اليوم بعد ضغوطات من بعض اللاعبين في المنتخب!

إن ما حققه منتخب الجزائر في بطولة أمم أفريقيا هو شرفٌ لكل عربي، وخطوة جيدة في الاتجاه الصحيح، ومرحلة مهمة يتم البناء لها تمهيداً لما بعدها، وعبرةٌ لمن أراد أن يعتبر

هذا وقد عانى منتخب الفراعنة في هذه البطولة من غياب القائد الحقيقي الذي يُحسن توجيه اللاعبين في المباريات، ويحفط توازنه في تصريحاته خارج المباريات، وقد كان العجز واضحاً في شخصية أحمد المحمدي الذي ارتدى شارة قيادة منتخب مصر بعد أن غاب تأثيره على أرض الميدان، ووضع نفسه في مواجهة جمهور بلاده في حادثة عمرو وردة، بينما كان رياض محرز قائد منتخب الجزائر منضبطاً داخل الميدان وخارجه وخاصة في تصريحاته المميزة للجماهير فيما يخص التشجيع والتعامل مع أجواء الفرحة.

ومن أهم العوامل التي ساعدت منتخب الجزائر للوصول إلى هذه المثالية هو تشبع لاعبي المنتخب بالوطنية واحساسهم بالمسؤولية تجاه جماهيرهم وشعبهم، فقد برزت فيهم الروح القتالية في جُل مباريات فريقهم وكان كل واحدٍ منهم محارباً بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فلم يكن غريباً أن يبكي بغداد بونجاح مهاجم المنتخب الجزائري لأكثر من ساعة كاملة بعد أن أضاع ضربة جزاء في ربع النهائي أمام منتخب ساحل العاج ظناً منه أنه السبب في حال خروج منتخب بلاده من البطولة، بينما كان لاعبو المنتخب المصري العريق صاحب التاريخ الناصع يفتقدون لمثل هذه الروح العالية والوطنية والقتالية، بعد أن كان سلفهم من الجيل الذهبي يُعطون دروساً في مثل ذلك. هذا ويتفق محللو كرة القدم على أن الروح القتالية العالية على أرض الميدان تُعوض أي نقصٍ في فارق الإمكانيات أمام الخصوم.

وعلى هامش بطولة أمم أفريقيا وفي إطار التنافسية العالية بين الجماهير المُحبة لنجوم منتخباتها ظهرت حالة جديدة خاصة على مواقع التواصل الإجتماعي تمثلت في "فخر العرب الحقيقي"؛ وذلك في سبيل المقارنة بين نجمي الدوري الإنجليزي رياض محرز ومحمد صلاح، وفي حين أن المستوى الفني متقاربٌ إلى حدٍ ما بين اللاعبَين فإن هذه المقارنة تُبنى بنسبة كبيرة على عاطفة وميول الجماهير، يليها التأثير الإعلامي، والحق يُقال أن فخر العرب الحقيقي هو كل لاعبٍ أدخل السعادة والبهجة في قلوب الجماهير بغض النظر عن إنجازاته وإنتمائه، وليس شرطاً أن يكون فخر العرب ذا لسانٍ عربي مبين، ولا ينبغي على فخر العرب أن يتراخى في أدائه مع منتخبه، أو أن يُشغل نفسه في تفاصيل هامشية تقلل من قيمته ومكانته، عليه أن يكون قدوة الفريق وإن لم يرتدي شارة القيادة، وأن يكون ذكياً في تعامله مع الجماهير والإعلام.

إن ما حققه منتخب الجزائر في بطولة أمم أفريقيا هو شرفٌ لكل عربي، وخطوة جيدة في الاتجاه الصحيح، ومرحلة مهمة يتم البناء لها تمهيداً لما بعدها، وعبرةٌ لمن أراد أن يعتبر، ولعل أجمل ما رسمته هذه البطولة هو الجماهير العربية إذ تُساند محاربي الصحراء في مشوارهم خاصة الجمهور المصري، وعلى سبيل العبرة وتصحيح المسار لا بد للفراعنة من أن يفقهوا الدرس جيداً من محاربي الصحراء!



حول هذه القصة

البطولة بالنسبة للسيسي والحكومة المصرية هي معركة شاقة يحاولون استعادة سمعتهم بين الغرب، لكن هل تساعدهم البطولة في التغيير أو التأثير على الأفكار التي تشكلت بالفعل بشأنهم عند الغرب والعالم.

22/6/2019
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة