الثورة السودانية.. بين التسوية السياسيّة والحرب الأهلية

الثورة هي تحوّل شامل من نمط الإستبداد إلى مسلك أخلاقي آخر، يحفظ فيه المجتمع حق مكوناته في الحكم والحرية والكرامة، والخروج من حالة الإستبداد لحالة الشورى هو خروج عسير يتطلب قوة أخلاقية من مكونات المجتمع ونخبته، فالثورة إما أن تكتمل خطاها عبر نضج الوعي الذي تتوغل فيه روح الثورة من نبذ الأنانية السياسية واستعلاء الأخلاق وإما أن ينفجر الجسد الاجتماعي بالحروب نظراً لضيق الصدر وتمسك الأطراف بنفس روح الاستبداد وعلله التي ورّثها المجتمع طوال مكوثه الممقوت.

إن الثورة السودانية تعيش مرحلة تاريخية فاصلة إما أن يلتقي فيها الجميع في منتصف الطريق عبر تسوية تاريخية شاملة بين المكونات المختلفة للمجتمع السوداني، وإما أن يطغى نمط الأنانية الذي سيطر على جميع المراحل السابقة المشئومة فيفتح ثغرة جديدة من الصراع الذي لا يُعلم منتهاه وحتى إذا أخذ ذلك الصراع وقته من الدماء والأموال والأرواح فإنه سيعود لنقطته الأولى، فإما أن يستقر باستبداد جديد من أحد أطرافه المنتصرين فيأخذ دورته من الحكم قهراً فيصبح حكمه هشاً ويعود الناسُ للثورة عليه وإسقاطه وحينها يجدون التسوية التاريخية أيضاً هي الحل للخروج النهائي من الأزمة الدستورية، وإما أن يظل الصراع قائماً إلى أن يشاء له الله الإستقرار.

التحوّل الديمقراطي يحتاج لنفس طويل وأخلاقية فسيحة، وكل تسوية هشة لا تحقق طموح الثورة في الانتقال هي انفجار مؤجل، ولابد من التعجيل في الممارسة الديمقراطية فكلما تأخر اختيار الشعب لممثليه كلما انفتحت ثغور الفوضى وثغور الاستبداد

غير أن الحديث عن التسويّة مثله مثل الحديث عن المدنية فضفاض، فماذا نعني بالتسوية هنا وماذا نعني بالمدنية؟ وهل التسوية التي ستخرج السودان من أزمته في الحكم هي تسوية بين طرفين أيّا كان موقع هاذين الطرفين؟ وهل المدنية أن يحكم المدنيون ولو من غير إختيار شعبي شوري ديمقراطي؟ قبل أن نجيب على سؤالي التسوية والمدنية ينبغي أن نحدد الأطراف السودانية المعنية بالأزمة الدستورية. إن السودان ظل يعاني من إشكالات بنيوية لابد لها من إلتقاء شامل بين جميع الأطراف والتوصل لصيغ مبدئية تعاقدية تمهد لحكم راشد، فما هي أطراف الصراع بالسودان؟

أولا: الأحزاب

لقد ظلت الأحزاب ونخبها في السودان في صراع سياسي دائم لا تحكمه روح من الشفافية والديمقراطية، بل يغلبُ عليه النمط الأناني في أشد علله وبؤسه، فظل السودان متقلب بين الحكم العسكري الإنقلابي الذي يأتي نتاجاً طبيعياً لعملية إقصائية تتم من هذا الطرف أو ذاك لهذا الطرف أو ذاك وبين الحكم الديمقراطي الذي ما يلبث أن يقوم حتى ينهار، وظلت النخبة السودانية تصتصغر الكيانات النابتة المستجدة فتقصيها من الحكم او تتآمر عليها لطردها من البرلمانات كما حدث ذلك لكل من الحزب الشيوعي فأنقلب عسكرياً، وحدث مثله للحركة الإسلامية فأنقلبت عسكرياً، وحدث مثله لحزب الأمة فأنقلب عسكرياً، وفي كل مرة يثور فيها الشعب فيسقط العسكر يبرز الصراع الممقوت المنبوذ. ويتميّز هذا الطرف من اطراف الصراع في السودان (الأحزاب) بالأيدلوجيا الفكرية خاصة لدى اليسار والإسلاميين، وقليل لدى الطوائف الحزبية الأخرى التي تمتاز بطابع تقليدي.

ثانياً: الحركات المسلحة

إن وجود الحركات المسلحة هو نتاج طبيعي للأزمة السياسية التي تشبعت بها التربة السودانية، والحركات المسلحة طرف أساسي وجوهري في الأزمة السودانية، فلابد من أن تكون جزءاً أصيلاً من التسوية التاريخية التي ينبغي أن تتم تجنيباً للبلاد الصراع العدمي، واختصاراً للطريق إلى الوصول لحكم راشد يتأسس على الحرية والكرامة، فما دام ذلك ممكناً فلابد من تحقيقه لتفادي سيناريوهات الصراع واستثمار روح الثورة وأخلاقها تواضعاً تاريخياً يفتح ثغرة كبيرة لحل سياسي تاريخي.

ثالثاً: المؤسسة العسكرية

لقد ظلت المؤسسة العسكرية للأسف هي المتحكم في مسار السياسة بالسودان وذلك مآل طبيعي للتفاقم التاريخي للأزمة السياسية بين مكونات المجتمع وأحزابه، ولابد من أن يتم حل الأزمة بين الساسة وأطياف المجتمع المتعددة لسحب البساط من المؤسسة العسكرية في الحكم، فلا تتم تسوية فعلية وأخلاقية بين المؤسسة العسكرية والمدنيين إلا إذا كان المدنيون قد توصلوا لصيغة مشتركة فيما بينهم وميثاق لتداول السلطة سلمياً، فما العسكر الذين يعتلون السلطة إلا أيدي سياسية مدفوعة من داخل الجسد الإجتماعي ومكوناته السياسية، فالعلاقة وطيدة إذاً بين السياسة وما تعكسه في نمط الحكم، فكلما كانت الشقة بين الساسة والمكونات الفكرية قريبة كلما تقلص دور العسكر في الحياة السياسية، فلا ينبغي الحديث عن إبعاد المؤسسة العسكرية من التحكم في مسار السياسة إلا بالتأسيس لميثاق سياسي بين المكونات السياسية، وهذا هو جوهر الثورة وتحوّلها.

المدنية والتسوية التاريخية الأخلاقية

إن المدنية أي (الحكم المدني غير العسكري) لابد أن تكون مدنية شرعية منتخبة وذلك في الوضع الطبيعي، أما في الوضع الإنتقالي فلابد من إلتقاء الجميع لإنتفاء الشرعية الإنتخابية وانتفاء الشرعية الثورية، حتى نتجنب سيناريوهات الإنقلابات أو الإنفلات لمزالق الحروب الأهلية والفوضى، والتسوية التي ينبغي أن تتم للعبور هي تسوية تاريخية غير ثنائية ولا أحادية، بل تسوية تاريخية شاملة تنفي طغيان الأيدلوجيا والقبيلة والجهة وتؤجل معارك الألوان للتنافس الإنتخابي الشريف، وتُسهم في تعزيز قيم الثورة في الحرية والكرامة والأخوة الدينية والوطنية والإنسانية، ولابد من نفي الخبث والغبن الذي طغى على تاريخنا السياسي حتى تنجح تلك التسوية.

والتسويّة التي ينبغي أن تكون ليست بين الأحزاب والعسكر بل هي قبل ذلك بين الأحزاب بعضها البعض، لترك الأنانية التي تربوا عليها. والتسوية المذكورة هنا إنما نعني بها التقاء السودانيين بجميع مشاربهم، ظالمهم ومظلومهم على ميثاق أخلاقي معقود يفتح أفق جديد للحل السياسي الشامل ويمضي نحو تحوّل ديمقراطي رشيد. فالتسوية السياسية فضفاضة مثل تعبير المدنية الفضفاض، فالمدنية دون انتخاب استبداد، والتسوية الثنائية استبداد، والحل هو المدنية التوافقية والتسوية التاريخية الشاملة. إن التحوّل الديمقراطي يحتاج لنفس طويل وأخلاقية فسيحة، وكل تسوية هشة لا تحقق طموح الثورة في الانتقال هي انفجار مؤجل، ولابد من التعجيل في الممارسة الديمقراطية فكلما تأخر اختيار الشعب لممثليه كلما انفتحت ثغور الفوضى وثغور الاستبداد، وليتحقق ذلك لابد من قِصر فترة الانتقال.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

اندلاع الثورة بالسودان قد يلقي بظلاله على التوازن الاستراتيجي بمنطقة القرن الأفريقي، خاصة وأن إحدى مطالب الثورة هي إلغاء أو إعادة النظر في الاتفاقيات المبرمة مع دول أو جهات خارجية.

الأكثر قراءة