هل يمكن للضغوطات النفسية أن تؤدّي إلى أمراض عضوية؟

blogs حزن

من الشائع والمعروف أن هناك جزءًا من المرضى لا يعانون من أي داء عضوي يُتَرْجَمُ بتغييرات في الخلايا والأنسجة والأعضاء، ولكنهم موهومون يُهيَّأ لهم أنهم مصابون بالعلل والأسقام. وهؤلاء لا يخفى أمرهم عن الطبيب الحاذق فضلًا عن الإنسان الفَطِن الذي يتنبّه للمرضى الموهومين. والوهم هو بشكل أو بآخر خلل أو اضطراب نفسي، من الممكن أن يُصَنَّف كحالة مرضية، كما أنه قد يكون عارضًا معزولًا لا يبلغ أن يصبح مرضًا.

 

ولكن هذا لا يمنع أن الاختلال النفسي الناجم عن ضغوطات نفسية عائدة إلى القلق والتوتر والاضطراب لأسباب شخصية خاصة أو لأسباب عمومية اجتماعية، أنه من الممكن أن يفضي إلى الإصابة بأمراض عضوية لها انعكاساتها الملموسة علميًا ومخبريًا على الخلايا والأنسجة والأعضاء. وهنا نحن بإزاء وضع يختلف قليلا عن وهم المرض. ففي هذه الحالة نواجه مرضًا حقيقيًا قد يؤدي إلى أفدح العواقب، ولكنه لم ينجم عن سبب عضوي مباشر، وإنما جاء نتيجة ضغوطات نفسية كبيرة لم يستطع الجسم التعامل معها بلا مضاعفات وتبعات خطيرة.

 

الاهتمام بالصحة النفسية لا يعني تعاطي العقاقير والأدوية من مهدّئات ومضادات الاكتئاب ومضادات الفصام. فهذه العقاقير والأدوية لا تنفع إلا في حالات المرض النفسي المحض

وهنا نودّ أن نذكر مثالًا عن ضغط نفسي من الممكن أن يؤدّي إلى نتيجة عضوية مفجعة. فالقرآن الكريم، وهو كلام الله المُنزَّل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، قد تحدّى الكافرين بأمرٍ إلهي حاسم، قائلًا لهم: "مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ ۗ". والسؤال البديهي هنا: هل يستطيع الغيظ أن يقصم عمر الإنسان؟ إذا أخذنا الأمر من ناحية إيمانية بحتة، فإن جوابنا سيكون بالإيجاب حتمًا. ولكننا نريد أن نأخذ عقولنا للتدبّر بهذا الأمر من ناحية علمية رصينة، وهنا أيضًا سيكون جوابنا بالإيجاب. فالغيظ، بما هو ضغط نفسي على الإنسان وجسمه، من الممكن جدًّا أن ينشئ حالة مرضية عضوية لدى الإنسان قد يكون فيها هلاكه، في الحالات القصوى طبعًا. ولكن، كيف يكون ذلك؟ 

 

إنّ قيادة جسم الإنسان تقع في الجهاز العصبي الذي يتحكم في وظائف كل ما عداه من الأجهزة والأعضاء، باستثناء القلب الذي يمتلك استقلالية خاصة تجعله يحكم نفسه بنفسه، وإن كان أيضا يتأثر بأوامر الجهاز العصبي المركزي والطَرَفيّ على حدٍّ سواء. وهناك مِحْوَر عضوي، يبدأ في الدماغ وينتهي في الأطراف، له تأثير كبير على وظائف كل الخلايا والأنسجة والأعضاء في الجسم وعلى العملية الاستقلابية بمجملها، وهو محور الوِطَاء -النخامية- الغدد الصمّاء. والوِطاءُ أو ما يُسمَّى بـ"ما تحت المِهاد" هو منطقة صغيرة أسفل الدماغ منوطة بالسيطرة على الوظائف اللاإرادية واللاشعورية لدى الإنسان. والنخامية، التي تقع أيضا أسفل الدماغ مباشرة تحت الوِطاء، هي العضو المسؤول عن قيادة كافة الغدد الصمّاء في جسم الإنسان، ولكنها تخضع تراتبيًا للوِطاءْ. أما الغدد الصمّاء مثل الغدة الدرقية والغدة الكظرية وجُزُر بيتا في البنكرياس، فهي المنوطة بالإفرازات الهرمونية، التي تتحكم بالعملية الاستقلابية ككل. 

 

وبالتالي، فإنّ الغيظ، بتأثيره على منطقة الوِطاء، ينتج سلسلة من التفاعلات والإفرازات تؤثّر على مخور الوطاء -النخامية- الغدد الصماء برمّته. وهذا يؤدي إلى اختلال في هذا المحور ينجم عنه إفرازات غير متوازنة، هرمونية وعصبية ومن أنواع أخرى. ومن الأعضاء السريعة التأثّر بالخلل في هذه الإفرازات الأوعية الدموية كشرايين القلب والدماغ، مما يرفع من احتمال الإصابة بالذبحة القلبية والجلطة الدماغية والنزيف الدماغي. ونفس الأمر الذي ينطبق على الغيظ ينطبق على غيره من الانفعالات التي تشكل ضغطًا نفسيا على الإنسان كالصدمات والرعب والهلع والتوتر والاضطراب والقلق والوساوس، وغيرها من الضغوطات النفسية. 

 

ولو أخذنا بعين الاعتبار المرضان العضويان المزمنان الأكثر انتشارًا لدى الكهول والمسنّين في عصرنا هذا، وهما ارتفاع ضغط الدم والسكري، لوجدنا أن ارتباطهما بالضغوطات النفسية هو ارتباط وثيق لا ريب فيه. فبالإضافة إلى العوامل الوراثية والغذائية والبيئية التي تولّد هذين المرضيّن المزمنيْن، فإن الضغوطات النفسية تساهم إسهامًا بيّنًا في أزمات ضغط الدم والسكري، مع ما يترتب عليها من مضاعفات قد تكون قاتلة مثل الذبحات القلبية والجلطات الدماغية والنزيف الدماغي. 

 

على أنّ لائحة الأمراض العضوية الوثيقة الصلة بالضغوطات النفسية هي لائحة عريضة تدخل فيها أمراض كافّة الأجهزة والأعضاء، من أمراض الجهاز الهضمي، إلى أمراض الغدد الصماء، فأدواء المفاصل بكافة أنواعها، وحتى أمراض الجلد. لذلك فإن الأمراض المتّصلة بالضغوطات النفسية تشمل كافّة الأجهزة والأعضاء دون استثناء، وتضعنا أمام تحدّي الاهتمام بصحتنا النفسية اهتمامًا يبعد عنا خطر هذه الأمراض ومضاعفاتها. 

 

والاهتمام بالصحة النفسية لا يعني تعاطي العقاقير والأدوية من مهدّئات ومضادات الاكتئاب ومضادات الفصام. فهذه العقاقير والأدوية لا تنفع إلا في حالات المرض النفسي المحض، ولا ينبغي، بشكل عام، وصفها ولا تناولها في حالات الضغوطات النفسية الناجمة عن أزمات معيشية واجتماعية وشخصية. والاهتمام بالصحة النفسية لا يعني بالضرورة استشارة الطبيب الأخصائي في الأمراض النفسية والعصبية. الاهتمام بالصحة النفسية بالدرجة الأولى هو اكتساب قيم ومبادئ وعادات تجعل من التعامل مع الضغوطات النفسية أمرًا مقدورًا عليه، وتبقيها تحت السيطرة، قاطعة الطريق أمامها للتحول إلى أمراض. ومما يفيد في هذا المجال الرياضات الفكرية والروحانية والبدنية، كالقراءة والصلاة والتأمل وممارسة السباحة والمشي في الهواء الطلق. كما أن وجود بيئة اجتماعية وعائلية سليمة ومعافاة هي من الأمور الجوهرية التي تساعد المرء على التعامل مع الضغوطات النفسية بطريقة ملائمة وناجحة.