هل تخطيت الحدود؟ كن أنانيا ملهما وناجحا!

BLOGS تفكير

في مرحلة ما من حياتنا نجد أنفسنا نكبر وفجأة ننضج وتنضح مشاعرنا تجاه الأشخاص والأشياء ونزداد حساسية تجاه ما نريده لأنفسنا وما نسعى إليه.. نكتشف وندرك ونتغير ولكن.. ليس كذلك بالنسبة لكثير ممن نعيش وسطهم. شعرت بحالة من النضج وعندها قررت أن أبتسم وأتفاءل وأحب نفسي.. كثيرا، فتغيرت وكذلك حياتي أيضا. في لحظة ما تذكرت كلمات والدي رحمة الله عليه عندما أخبرني يوما أنه من أراد الشقاء أعطاه الله شقاء لا يرفع رأسه منه حتى أنه لا يكاد يرى شيئا واحدا جيدا يحدث له على الرغم من وجود أمور كثيرة جيدة.. وأن من يريد أن يعيش سعيدا وينشد السلام مهما بلغت همومه حتى أصبحت تلا، يجد دوما شيئا جميلا يبتسم من أجله ويحيا ليكمل مسيرة حياته في رضا وسلام.

كنت أتعجب من قول والدي وأتساءل كيف يمكن لأحد أن يجلب التعاسة لنفسه ويغرق لأنفه في بحر الشقاء! كبرت واختبرت الدنيا ووجدتهم كثر أولئك الذين لا يكتفون فقط بفعل ذلك لأنفسهم بل ويجتهدون لينقلوا ذلك الشقاء لدائرة تأثيرهم.. فكلما رأيتهم يذكرونك كم هي الحياة صعبة وكم هم يعانون وأنك لا تعرف شيئا عن حياتهم.. حتى لو كنت تعرف أنهم لو نقلوا شيئا من اليمين إلى اليسار كان بالنسبة لهم مجهود مضاعف! 

 

عليك أن تخرج من دائرة تأثيرهم وتعدو أبعد من محيطهم اذا كنت ممن يدافعون عن حقوقهم في الحياة بكرامة وحرية.. فتخطى حدودهم، وإن كنت ممن يعرفون حقوقهم الإنسانية ويثورون لأجلها.. تخطى الحدود

يتفوهون دائما بعبارات مثل "نحن محسودون نحن منظورون.. الناس لا تريد لنا الخير.. نحن ضحايا.. تعودنا على كذا وكذا.. أجبرتنا بيئتنا أن نعيش كذا وكذا.. إنها حياة قصيرة شاقة ومآلنا إلى الموت.. هذا ما وجدنا عليه آبائنا.. نحن نتعب ونكد حد الشنق ولا أحد يقدرنا ولا يشكرنا".. وهكذا.. طوال جلستك معهم لا تسمع إلا قيلا وقالا وهما وغما وعتابا وتثبيطا.. لربما تخطئ القول والفعل متأملا منهم استجابة وتنصحهم مثلا.. أو تعطيهم حلولا، أو تعرض عليهم المساعدة فتجد الرد تلقائيا؛ لا يمكن ما تقول لأي سبب من الأسباب وستتحول أنت لشخص مختلف عنهم ولا تقدر معاناتهم منذ جاؤو إلى الدنيا وأنت الحالم زيادة في حياة لا أحلام فيها ونمط حياتك لا يناسبهم لأنك تغط في النطاعة والدلال واللامبالاة وكأنك لا تحمل هموم جبال ولكنك ببساطة ترضى وتشكر وتبتسم وتتعايش وتسعد نفسك وتتنزه عن هموم الدنيا وسماجتها.. 

ستجد هذا النموذج منتشر بشدة في مجتماعاتنا خصوصا الريفية منها وربما يكون في أقرب الناس لنا، ببساطة هم يقبعون في منطقة الراحة والتغيير بالنسبة لهم مغامرة كبيرة كالقفز الحر من ارتفاع شاهق فيؤثرون الحياة السهلة في شقائهم ويسحبونك دوما لمياههم حتى لا تكون مختلفا فتقلق اعتقادهم وربما توقظهم من نومهم المريح العميق فإذا نجحت في أن تتغير أو أن تكون شخصا إيجابيا مختلفا ستصيبهم بالعدوى.. عدوى الجسارة والطموح والتفائل وهذا لا يتماشى مع نمطهم التكاسلي المتسلق، هم راضون حد العبودية بكل ما سيقع في طريقهم مهما كان شاقا ومؤذيا، بالنسبة لهم دور الضحية لائق لهم تماما وفي اعتقادهم ممارستهم لدور الضحية سوف يكون فيه عزائهم ربما يوما.. وإذا لم يجدوا عزاء فذلك لقلة حظهم وفقر فرصهم.. 

هؤلاء هم الذين يمكنهم الحياة تحت حكم رئيس واحد ظالم وحكومة فاشلة ونظام فاسد طول حياتهم دون أن يرف لهم جفن.. بإمكانهم الإستمرار في الحياة في بيئة قذرة تحيطها القمامة والرائحة الكريهة حتى تنعدم لديهم حاسة الشم.. وهم الذين يستمرون في شرب الماء القذر والملوث حتى تتهتك كليتهم، هم أصلا غير مبالون بما يحدث حولهم في العالم يكفي أن من يصدر الأوامر هو دوما من يمتثلون له دون سؤال أو اعتراض.. هم جميعا في نفس الطابوور يمشون كالعميان يسحبهم حبل واحد.. وهم أنفسهم الذين يعمرون بيوتا لأبنائهم في نفس ذات البيئة وينسجون مستقبلهم ويتحكمون في خياراتهم كما يحملونهم ديونهم.. ديون العادات والتقاليد وما وجدوا عليه أبائهم فلا يقبلون لأولادهم التغيير حتى يحتفظون بهم حد الامتلاك ويورثنهم نفس الحبل.. تجدهم يحتفظون بكل شيء لا يتخلون عن شيء واحد مهما كان تافها لربما احتاجوه يوما وهذا يفسر كم الكراكيب في بيوتهم وحياتهم.

هم أنفسهم الذين يخرجون في الانتخابات وطوابير الخبز والتموين ويهتفون بإسم الحاكم ويهللون للحكومة والمحافظ وينتظرون العلاوات وزيادة المعاشات وعيدية العيد ويقذفون المعارضين بالحجارة ويرشون عليهم الماء القذر.. هكذا يقضي الأشقياء حياتهم عابسين لا يجيدون المواجهة ولا يعرفون لغة النقاش لحل مشاكلهم حتى البسيطة منها يغوصون في الشكوك حول بعضهم البعض وتصيبهم أمراض الضغط والسكر والقلب والكلى والكبد ويموتون دون حياة.. أن تكون أنانيا في وسط مجتمع كهذا وتنأى بنفسك وتنقذ ما تبقى منك هو عين العقل والمنطق عليك أن تتخطى حدودهم وتذهب خارج عالمهم ومنطقهم دون أن تلوم نفسك يوما.. هم أنانيون أيضا عندما يعبسون في وجهك ويستكلفون الابتسام لك، هم أنانيون أيضا لسطوهم على أحلامك في بيئة مختلفة ووطن نظيف وحياة نزيهة.

عليك أن تخرج من دائرة تأثيرهم وتعدو أبعد من محيطهم اذا كنت ممن يدافعون عن حقوقهم في الحياة بكرامة وحرية.. فتخطى حدودهم، وإن كنت ممن يعرفون حقوقهم الإنسانية ويثورون لأجلها.. تخطى الحدود. أما اذا كنت ممن يؤمنون بوجود عقل حقيقي في داخل رأسك وظيفته التفكير تستخدمه وتبحث عن الحقيقة في كل شيء حولك؛ حقيقة الحياة والخلق والهدف من وراء وجودك على الأرض.. أرجوك أرجوك.. تخطى كل الحدود! فلا يوجد على وجه الأرض من له الحق في أن يتحكم بأحلامك وما تطمح له حتى لو خيالك.

لا تكن كما يريدونك هم.. لا تكن شقاء أحدهم.. كن عقلك واختلافك، لا تستسلم لهم -مهما كانت علاقتك بهم- هؤلاء الذين يأخذون الحياة محمل الجد.. كل شيء فيها مؤجل لغير حين الفرح مؤجل والضحك مؤجل والأمل مؤجل حتى الحب مؤجل! وكأنها ليست حياة واحدة ستمضي وما أسرع مضيها، كأنهم خالدون أو أنهم، قضوا حتفهم تحت ركام هذا العبوس فهم موتى في صورة أحياء! هم فقراء حد البؤس الإنساني مهما امتلئت جيوبهم، هم تعساء حد فقدان الإحساس مهما طالتهم مظاهر السعادة. هم وحدهم حد العزلة مهما التف حولهم الناس. 

مهما حاولت استفاقتهم أخذوك لعالمهم الجدي القاسي الذي يدور في فلك الأرقام والحوادث والحالة المادية. ليس لديهم وقت فراغ برغم فسحة الوقت، وليس لديهم وقت للتواصل مع الناس أو الطبيعة برغم عدم وجود شيء يذكر يتعلق بالحياة. هم ليسوا أحرار برغم تحكمهم في الاخرين، سواء عليهم اختاروا تلك الحياة أو فرضت عليهم هم مستمرون فيها دون مقاومة وليس عليك إلا أن تنجو بنفسك وتحافظ على إيقاعك إذا كنت بقربهم ولا تنتظر أن تكون ملهما لهم لأنك ستبقى كل حياتك منتظرا قد يتغيروا.. ولن يتغيروا.

فالناس في العالم نوعان.. نوع يدرك تماما ماذا يريد ولماذا يريده وكيف يصل إليه وهو الذي يملك القوة والقيادة سواء في الخير أو الشر، وباقي الناس ممن يسهل انقياده سواء للخير أو الشر. قوتك في اختلافك ووعيك وقدرتك على الانسلاخ من ذلك المستنقع: عندها ستصبح خياراتك عديدة وستكون أكثر مرونة لتتناغم مع ما  تحلم به أنت. عندما تفكر في دراستك أو عملك أو زواجك أو حتى أن تغادر وتترك كل شيء وتبدأ من جديد في مكان جديد.. 

كن أنت ! قاسيا جدا تجاه ما تريد متوحشا أحيانا للدفاع عن أحلامك وإن لم يمهدو لك الطريق وإن لم يؤمنوا بقدر إيمانك وإن لم يأخذو بيدك فاصعد على أكتافهم رغما عنهم. كن أنانيا أصيلا ولكن لا تنسى أن تمد كتفك للحالمون على شاكلتك كن سخيا معهم قدر سخائك لنفسك وأنت صلب كالصخر فيكون في ذلك عزائك وامتثالا لقوة إرادتك. ولا تنسى تقبل كونك أنت كما عليك أن تتقبل كونهم هم ففي هذا التباين والاختلاف تكمن الرحمة وتتجلى عظمة الإبداع الإلهي في خلق الكون والبشر.

 

"اللهم قنى شر الحرص والحذر والحيطة، وأحييني طفلاً شجاعاً وأمتني طفلاً شجاعاً. اللهم إنى لا أريد أن أكون محنكاً أبداً. أريد لقلبى أن ينفجر وهو يقول ما فيه، ولا أريده أن يموت مطوياً على سره. هذه حياتى ولست أملك حياة غيرها".. مصطفى محمود.