logo

جحا الذي لا يقهر!

كطفل ولد في بداية التسعينات قبل الغزو الإلكتروني للعالم وإحلال الهواتف محل الاجتماعات التواصل المباشر بين المجموعات، كانت لدينا الكثير من النشاطات والألعاب التي بالتأكيد تعتمد اعتماد كلي على المجهود البدني، والتي سرعان ما تهمد بعد نشاط، فكنا نستفيد بما تبقي لنا من وقت قبل العودة للمنزل في مشاركة آخر النكات الجديدة التي عرفناها في خلال الأسبوع. أذكر جيداً تلهفي في انتظار بائع الجرائد يوم الجمعة من أجل قرائه ملحق الكاريكاتير الذي كنت مولع به في جريدة الأهرام الذي احتضر بعد ذلك ليأخذ مكانه السيارات والموضة وأخبار الفنانين والرياضة. للحقيقة اعترف بأني كنت أسرق بعض من أفكار الكاريكاتير تلك أحذف منها أو أضيف عليها حتى تتحول إلى نكته اختبر مدى خفتها حين يأتي موعد لقائي الأسبوعي بالأصدقاء.

 

أتذكر بعض النكت التي كانت تتناقل بين السنة من كانوا يكبروني سناً، أغلبها يمكن أن ندرجه تحت بند النكتة السياسية، التي كانت تنال من رئيس الدولة رأساً إلى أصغر موظف في الحكومة، والكثير من النكت التي كان يطلب منا عدم الاستماع لها -التي نعرف أنها إباحية- لصغر سننا، حتى أبي الذي اعتقدت لوقت طويل أنه لم ينال حظه من خفة الدم التي يولد المصري بها، أتت أوقات كان يأخذ نصيبة من السخرية، وينال من سياسات الدولة.

 

ما يثبت أيضاً مدى حاجة الشعوب إلى تلك الشخصية الساخرة، كملاذ للشعب يعكس من خلاله أراء شعبة في السلطة العسكرية والسياسية من ناحية، ومن ناحية أخرى يعكس رؤيتهم للتغير المجتمعي

مرت الأيام وأتت يناير التغيير، ظن البعض أنه الوقت المناسب للتغيير فالوقار ورجاحة العقل والثقافة، التي تطلبها تلك المرحلة تتباعد طريقها عن السخرية والمذاح، لكن ما حدث كان العكس، فانفجر بئر من السخرية والضحك فلم يسلم منه أحد، حتى مع تأفف البعض من تلك الظاهرة التي أطلق البعض عليها بأنها تدني في الأخلاق وسوء الأدب، وعلى الرغم من هذا كانت السخرية تأخذ الضربة ثم تحولها إلى نكته تتغلب بها في النهاية على خصومها، حتي اعتي الديكتاتورين هؤلاء الأشخاص الذين يتخذوا النكتة عدو لهم، في النهاية تنتصر النكتة، إلى أن ما أجده غريب الحقيقة بقاء ذلك الديكتاتور مخلداً بفضل تلك النكتة واستمرارها.  

 

بالتأكيد السخرية ليست كما يقال إنها تصنع في مصر وتصدر للعالم، لكنها لم ترتبط بشعب حتى أصبحت صفه لهم كما فعلت مع المصريين، بالتأكيد لم تكن في يوم حصراً لهم، لكن السؤال الأهم هو لماذا المصريين بالتحديد؟ في كتابة جحا الضاحك المضحك يقول عباس العقاد أن "الفرق بين الجليل الرهيب والمضحك المغرب قيد شعرة أو لمحة عين. ولا شك في هذه الحقيقة فمن الناحية النفسية، فالأهوال تتحول فجأة إلى ضحك بطارئ من طوارئ التغير والتبديل التي تتعاقب في أيام النصر والهزيمة، والقيام والسقوط بين الجبابرة وأصحاب الدولات ولا شك في هذه الحقيقة أيضاً من -الناحية التاريخية- فليس هنالك عصر احفل بالأضاحيك من عصور التقلب والشدائد والأهوال".

 

ثم يعود الدكتور محمد النجار في كتابة (جحا العربي) المنشور ضمن سلسله عالم المعرفة، للتأكيد على أن السخرية والنوادر -التي أصبحت تعرف باسم النكت في عصرنا الحالي- التي أوكل مهمتها إلى شخصية جحا التي تتحد  مع كل عصر، فيقول "إن الشخصية الجحوية -أو الشخصية الساخرة- ارتبطت من حيث الواقع التاريخي بالعصور التي يشتد فيها الصراع بين قوميتين أو أكثر، أو التي تتحول فيها نظم الحكم من دولة أخذت في الأفول إلى دولة آخري تستكمل مقومات السلطة والمكانة، حيث تبرز في مثل هذه الظروف التناقضات في النظم الاجتماعية والعلاقات الإنسانية والمواقف النفسية.. وفي ضوء هذه المتغيرات، وما تفرزه من متناقضات وما تفرضه من معطيات جديدة، لا سيما في عصور الكبت السياسي والقهر العسكري، يبدأ الشعب في انتخاب الرمز الجحوي في محاولة منه للتغلب على تلك التناقضات من ناحية ومقاومة الانحراف والتسلط من ناحية أخرى، والحرص في الوقت نفسه على عدم الذوبان مع الظروف.

 

يوصف جحا العربي أو أبا الغصن الاسم الحقيقي لجحا المنتمي لقبيلة فزارة العربية في كتابات المؤرخين، بأنه ذكياً، لماحا، حاضر الجواب، سريع البديهة، حاد البصيرة، ثاقب النظر، وأن تظاهر بغير ذلك، وهذا ما أكده أبو السبهلل طارق بن بهلل بن ثابت ابن اخ جحا والذي كان يسجل أحاديث عمه ويحفظها، ثم كتب في نهاية المخطوطة الأسباب التي أدت بجحا لتخاذ أسلوبه الخاص في التغابي والتحامق، كطريقه مثلي للهروب من بطش كل من ينال منه بسخريته. قد تتفهم حاجة جحا العربي إلى حيلته الماكرة تلك إذا كنت تعرف أنه كان شاهداً على الصراع بين الأمويين والعباسيين التي انتهت بتنقل الشعوب العربية من قبضة الأمويين إلى قبضة العباسيين وما كان بينهم من أهوال وماسي، فستمرت نوادر جحا تتنفس واستمرت في التنقل من شعب لأخر ومن عصر لأخر، حتى بعد فناء العباسيين وما خلفهم إلى يومنا هذا.

 

ما يثبت أيضاً مدى حاجة الشعوب إلى تلك الشخصية الساخرة، كملاذ للشعب يعكس من خلاله أراء شعبة في السلطة العسكرية والسياسية من ناحية، ومن ناحية أخرى يعكس رؤيتهم للتغير المجتمعي، وهو الأمر الذي يؤكده استمرار الرمز الجحوي الذي انتقل إلى بلاد الأناضول، ووصف به نصر الدين خوجة، الشيخ الصوفي الفطن. عاش نصر الدين خوجة في أواخر القرن الرابع عشر الهجر، التي توصف في تاريخ الأتراك بأنه عصر نكبة، لما اتسم به من مرحلة تحول عصيبة مليئة بالصراعات الدموية بين تيمور لنك وبين سلاجقة الروم والعثمانيين من ناحية والأتراك فيما بينهم من ناحية أخرى. لذا كان نصر الدين بعد كل انتصار يتغلب فيه على إحدى تلك النكبات بذكائه أو ينال من أحد الطغاة دون أن يبطش به، كان يتحول إلى بطل شعبي حتى تحول ضريحه إلى مزار إلى يومنا للبركة.

 

كل تلك الشخصيات الجحوية على مر التاريخ والظروف التي أدت لظهورهم، قد تفسر لنا مدى ولع الجماهير بالسخرية والساخرون فيما بعد ثورة 25 يناير ثم ما تلتها من أحداث صعوداً وهبوطاً، كما أنه ليس بالضرورة أن نطلق صفة جحا على شخص بعينه لوصفة حامل لواء السخرية في عصر ما، لأن وفي ظل التطور التكنولوجي من أسهل ما يمكن أن يتحول أي شخص في المجتمع لممارسة السخرية، فحين تظن سلطة ما أنها قادرة على محاربة الابتسامة، سرعان ما تصطدم بحقيقة تاريخية أن مع كل فم يغلق يفتح مكانه أضعاف، وكلما حاولت أكثر فشلت أكثر، إلا أنها تدرك في النهاية وبعد فوات الأوان أنها دخلت حرب خاسرة منذ البداية وأن رد الفعل الوحيد تجاه السخرية ليس القوة بل الضحك.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة