قلب في غياهب الجب!

BLOGS تأمل

ككأسٍ فارغة أبدو أمضي دون درايةٍ مني إلى أين أنا ماضٍ، للهلاك أم النجاة، للحياة أم الموت، للنور أم الظلام. أفتح عينيّ قلبي لأرى الأشياء حولي؛ فأرى نفسي تائهًا في بحر لجيّ وأرتطم بأمواجه تارةً تلو الأخرى. فما أُغمض عين قلبي حتّى تعود الفكرة إلى قيودها المنيعة الحصينة، ولكنني مهشّمٌ من ذاك التخبّط اللعين. لم أعد أرى شمس الصباح مضيئة ولَم أشعر بنسمات الهواء العليلة حتى زقزقة الطيور لم تعد تخطف أنفاسي.

أنهضُ برشاقةٍ نحو الحياة أسمع لهذا وهذه ثمّ ينتابني شعورٌ باللامبالاة مجازه "ضع إصبع في أذنيك، وامض، وابتعد"، فأفتح شريط الموسيقى، وأردد دع الموسيقيين يدندنون… وبسرعة وفجأة تصفعني أفكارٌ منغمسة في داخلي، صراعٌ بينهما لا أدري ما هما؟ نفسي ونفس شخص آخر تسكنني، لكنها أنا في مكان ما هي معي ولكنّها ليست هنا الآن.

كيف أعبدك يا الله عبادة حب لا عبادة عادة ووراثة؟ أريد أن أُقبل على عبادتك هائمة. أريد أن أحظى بتميّز على مرتبة عالية عندك أريد أن أنثر كلّ ما في يدي وأرميها خلفي حينما أتوجه لك

أرى حولي نازعي جلود أديانهم عنهم، وأرى لحومهم المهترئة وكيف انسلخت عنهم تلك الجلود؟ أدرك في خفايا نفسي أنهم بلهاء ولكنني ما زلت أسير على شاكلتهم متخبطًا تائهًا، وغريقًا أبله! ما يفرقني عنهم أنه هناك رحمة من الله لم ينتزعها مني فجلد الدين يتقطّع منه أجزاءً، لكن سترك يا الله هو الباقي هو الذي يلفّني في كلّ مرة ويحميني.

فمن أكون دون سترك؟.. العالم يضيق بي يا الله، أريد أن أكون هائمًا في عبادتك لكنني أدّعي اللاوقت وأنا غارق في غياهب العمل والبحث عن التطور ولكن ما ينقصني هو صدقي مع نفسي فلكل شيء وقت كامل إلا عبادتك أقتطع منها، ولكن في جعبتي ما زال هناك إيمان بك، مرآتي تخبرني كلّما نظرت إليها أن هناك جزءًا ما ينقصني فلم تكتمل الصورة لها بعد وفِي كلّ مرة لا أستطيع تكذيبها فأنا معترف بالتقصير.

أخبرني أحدهم بأن أشحن روحي فهي المُسيّرة لما أبحثُ عنه كسيارة تحتاج لوقود وكنت كلما شحنتها شعرت أنّ ما يوضع فيها يذهب هباءً مع الريح اتّهمت روحي بأنّ بها ثقبًا يسيل منه وقود عودتي إليكَ؛ لكنها تقهقهت باكية وردّت تهمتي إليّ بأن وقودي نافدٌ منتهي الصلاحية؛ فوضعت يديّ على روحي وأمسكت بها ورجوتها أن تدلني فكانت هي من قالت: تفقّد قلبك، لبرهة لم أع حقًّا ما تقول إلا أنها صرخت بي كأمٍّ توبّخ طفلها قائلة: ماذا عن شتات أهدافه وتمزق همته وفتور سعيه؟

فما سمعت هذا حتى تفقدته مسرعة طالبة النجاة، اطمأننت للحظة وجيزة إنّه في مكانه ها هو يجلس ولكن ليس بموضعه الصحيح ضرباته المتخبطة كانت حائرة وكأنه يحبس عني النور والنفس، ذلك الجزء الخفي في أيسر الصدر، كثير التقلّب والنبض لا تدري كيف تجازيه أو تكفر عن ذنوبك معه فكم هي مأساوية تلك الكدمات الّتي تلامسه؛ فهي كدمات غير مرئية فهي لا توجع سواك حتى أولئك الذين أسكنتهم فيه لن يشعروا بها ما إن تبدأ بالتعب أو يصيب قلبك خدشٌ صغير حتى تراهم يتسربون منه كقطرات ماء من صنبور غير محكم الإغلاق هم ليسوا أحباء لكنك أنت من تُلام؛ لأنك أنزلتهم غير منزلتهم وكنت لهم وفيًّا

ثم تذكرت قول إليف شافاق: "إنّ الطريق إلى الحقيقة يمرّ من القلب لا من الرأس؛ فاجعل قلبك، لا عقلك، دليلك الرئيسي. واجه، تحدَّ، وتغلب في نهاية المطاف على (النفس) بقلبك. إن معرفتك بنفسك ستقودك إلى معرفة الله". كيف أعبدك يا الله عبادة حب لا عبادة عادة ووراثة؟ أريد أن أُقبل على عبادتك هائمة. أريد أن أحظى بتميّز على مرتبة عالية عندك أريد أن أنثر كلّ ما في يدي وأرميها خلفي حينما أتوجه لك، لا أريد أن أكون كغيري أريد الفوز برضوانك وأريد قلبي لك وحدك.

فتنهدت قائلة: اللهم ردّني إليك رغمًا عني اجعلني أحبك بقلبي كله فأنت وحدك من تسمع قلبي وتدرك خلجات نفسي، وكما قال مولانا الرومي: "حين تذهب إلى الله مكسور الجناحين تعود محلقًا" فهل يا ربي لي عندك جبر يرمم كسري ويدفعني لأحلق؟