هل نجا غسان كنفاني من فتنة الربيع العربي؟

لم أدر للوهلة الأولى لماذا انهمرت دموعي وأنا أخط سؤالي هذا: هل نجا غسان كنفاني من فتنة الربيع العربي؟ نوبة من الحزن والاضراب وأنا أتخيل المشهد وكأني في اختبار ولا أعرف الجواب. ورغم أني لم أكن يوما قارئا نهما لمؤلفات الروائي والأديب غسان كنفاني.. وإنما هي بضع صفحات مررت عليها في حياتي لكنها تركت أثرا عميقا في الوجدان لهذا الرمز الفلسطيني الكبير. كانت البداية في حصة تدريسية في مدرسة زنوبيا الابتدائية بدرعا لقصة لا أذكر في حقيقة الأمر من رسمها سوى اسم غسان كنفاني في آخرها.

في كل مرة تحضرني المشاهد ذاتها في حضرة ذكراه: فدائي غاص رأسه بين كتفيه من البرد وبندقية تتكئ في زاوية غرفة وشتاء يطرق نافذة البيت القديم وإبريق شاي في لحظة حميمية مع بابور الكاز.. والمقعد الدراسي ودرس القراءة وبراءة طفولتي! غسان كنفاني الذي أعطى الحبر زخم الدم هكذا وصفه الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش.. لم يختلف عليه أحد لا من الشعوب ولا الحكومات العربية.. حتى وفاته.

هل كان سيغرد خارج أيدولوجيا رفاق دربه ونهجهم ابتهاجا بالربيع أم أن رايات الإسلاميين التي استحوذت على المشهد وعبر صناديق ديمقراطيتهم إبان ثورات الربيع ستعجله أقرب إلى الأنظمة القومية على طغيانها

في تلك الفترة حيث كان العدو الأوحد هو العدو الصهيوني أو هكذا كان يهيأ لنا وبينما كان الجميع يبحر على أوتار الثورة والنضال وشعارات الوحدة والتحرير أفرزت أمواج الحقيقة مع قدوم الربيع العربي شاطئين أحدهما للثوريين المزيفين والثاني للشهداء والمشتتين المثقلين بأوزار ثورة وبصيص حلم! ولعل اغتيال غسان كنفاني على يد الموساد الصهيوني في لبنان كان أهون علينا من أن ينتحر بنفسه في بلدان أخرى كمصر أو سوريا أو ليبيا أو قل حيثما أزهر ربيع الشعوب العربية وحيث وئد ذاك الربيع فيما بعد وبمباركة من يصفون أنفسهم بالقوميين العرب!

لا يمكننا التكهن بالموقف الذي كان سيتخذه غسان كنفاني من ثورات الربيع العربي ورؤيا الجماهير حيث تكون الثورة جزءا لا ينقسم عن الخبز والماء وأكف الكدح ونبض القلب كما قال هو ذات مرة. وإذا كانت ماهية الدم والحبر الذي قصده محمود درويش والذي رآه في كتابات غسان كنفاني واضحة للقاصي والداني في تلك الحقبة من النضال الفلسطيني فلا ندري إن كان الدم العربي المسفوح على مذبح الحرية ومطالب التغيير وبأيدي الأنظمة العربية القومية سيكون مدادا لكتابات غسان كنفاني أم أنها دماء من يقتلون في سبيل وأد الربيع فيما لو كان بيننا الآن.

هل كان سيغرد خارج أيدولوجيا رفاق دربه ونهجهم ابتهاجا بالربيع أم أن رايات الإسلاميين التي استحوذت على المشهد وعبر صناديق ديمقراطيتهم إبان ثورات الربيع ستعجله أقرب إلى الأنظمة القومية على طغيانها؟. في ذكرى استشهاده قبل يومين أول ما خطر ببالي هي جميلة بوحيرد المناضلة الجزائرية التي لم يكن يختلف عليها أحد كذلك.. تعرفت عليها في الصف نفسه الذي تعرفت به على غسان كنفاني وفي المقعد نفسه ومن كتاب القراءة نفسه وفي الشتاء نفسه والبراءة نفسها مع باقي الذكريات بحذافيرها.

لكن مرورها هذه المرة كان ثقيلا بلا ذكريات.. لم يحضرني من تاريخها سوى سقوطها المدوي على ميزان الجماهير الجزائرية بل والعربية.. فبين لحظة وربيعها تكشف لنا مدى القحط الأخلاقي الذي اعتراها وهي تقف في لحظة إفلاس ثوري إلى جانب أكابر مجرمي سوريا ومصر في مواجهة الثوار الحقيقيين. هل هي الأيديولوجيا التي تجعل ممن كان في فترة من الغفلة أيقونة للنضال.. يفقد بريقه فجأة وينتزع رصيده بأكمله من ذاكرة ووجدان الجماهير في لحظة تعرٍ.

أم أن اختلاف الرؤى حول منظور الدولة القومية المدنية العلمانية والدولة المدنية التي يديرها إسلاميون كما حدث في تونس ومصر ستحتم على القوميين وأشباههم أن يكونوا في خندق واحد في مواجهة الربيع. ربما كان خوفي من أرى غسان كنفاني يسقط في فتنة الربيع العربي كما سقطت جميلة بوحيرد وغيرها من القوميين العرب هو سبب حزني وأنا أضع عنوانا لهذا المقال.. لكنني أعتقد أنه نجا من هذه الفتنة ومات واقفا.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة