شباب تونس.. من صاحب الثورة إلى صانع الثروة

blogs تونس

نجاح آخر مشهود للجيل الثائر، يشقّ بنوره الكحلة الدامسة، وحقيقة ناصعة برّاقة، تفتِقُ نسيج الإشاعات والأكاذيب، لتؤكّد أنّ الاستثمار في الثروة الشباببية التونسية، وحده كفيل بإعادة القيمة والمعنى لثورة الشباب في تونس. فهذا الجيل الذي إشتدّ عوده من صلب الربيع، ونال أستاذيّته من مدرّجات "الحرية والكرامة"، أضحى يدرك جيدا أنه لا استشفاء من جراحات الإستبداد، إلا في مصحّات الإنضباط وبترياق الإبداع والإبتكار، وأنّه لا انكسار لقيود الاستعباد، إلا بالتحرّر من حبس التذمّر والانتظاريّة، والإستئسار لمنّة الوظيفة العمومية، وكل تلك التصورات التقليدية، التي تغلغلت في الثقافة الجمعيّة، حتى استحالت سورا عاليا يحاصر المخيال التونسي، ويصنع له معتقلا، متمحورا حول مسمار جحا المدقوق في حائط سجن الخصاصة والفقر المؤبّد. 

جيل يعي جيدا، أن كل تجارب الإقلاع الاقتصادي المعاصرة ، بداية من الهند وماليزيا، وصولا إلى تركيا وأثيوبيا، كان منطلقها الأساسي، قراءة كاملة ومنسجمة للذات، في سياق مستجدات الدولية تفسّر معانيها، فكان اندفاعه نحو القارة السمراء، مرتكزا على ما يوفره له موقع بلاده الجيوستراتيجي، وميراثها الحضاري من دعائم، تأبى عليها إلا أن تخرج من مربع السلبيّة واللامبالاة، لتجد لنفسها موطئ قدم، في معادلة التسابق الدولي، نحو ما تؤكد الإحصاءات أنه سيكون بحلول 2050، أهم الأسواق الاستهلاكية في العالم على الإطلاق.

حان الوقت، لتحويل هِبَةِ الثورة الشبابيّة، إلى هَبَّةِ شباب الثورة، لتثوير اقتصاد تونس وديبلوماسيتها، حتى يحوّلوا ثورتهم إلى ثروة وطنية

فمن الطبيعي أن يتطلّع بلد، أورث اسمه للقارة برمّتها، للمنافسة على دور بوّابتها، كجسر استثماري وممرّ رئيسي للخدمات والرساميل منها وإليها. باختصار فقد كانت لهذا الجيل وقفة متأمّلة رصينة، أمام مرآة بيته، قبل أن يخرج إلى الساحة الخارجيّة، ففهم أنّ نهضته ليست مرتهنة لبحيرات نفطية ولا عطايا المشفقين، وأن ما يتوفّر لديه من رأس مال بشري وبنية سكّانيّة شابّة، لما تتّسم به من العمالة الماهرة، أن اقترنت برؤية ثاقبة، ستكفيه للإرتقاء، ممتطيا الدفق المتصاعد للثورة الصناعية الرابعة، ومتحالفا مع إفرازاتها التقنيّة، من إنترنت الأشياء وذكاء إصطناعي وسلاسل المعلومات. فكانوا وكأنهم يستمعون أو يعيدون ترديد، ما قاله الحكيم "نيريري" لشعبه ذات يوم: "هذه أرضكم، وهذه محاريثكم، وهذه حيواناتكم، والآن عليكم أن تتقدّموا". كما كان التوجّه نحو الشركات الناشئة، التي يعرّفها الغرب، بتوأم "حلم المليون دولار"، يعبّر عن المطامح اللامتناهية لهذا الجيل، وكأنّ الكوامن الجينيّة للعملاق القرطاجنّي المغامر، المقتحم لأعالي البحار بحثا عن ما وراءها من فضّة وكنوز، قد تفجّرت فيه، لتنفض عنه غبار الرّكون، المتلبّس بعباءة القناعة المزيّفة.

كل هذه المعاني وغيرها، كانت بشائرها حاضرة في الحدث الذي انتظم يومي 25 و26 جوان في مدينة قمرت، كأول قمة وأكبر تظاهرة إفريقية تعنى بريادة الأعمال في التكنولوجيات الحديثة، تحت عنوان "بوابة إفريقيا للشركات الناشئة". فقد كان الحدث شبابيّا بإمتياز، في شكله وفلسفته ومضمونه، إذ تشاركت في الإشراف عليه ثلاث وزارات، يقودها جيل جديد من الوزراء يمثلهم السيدان زياد العذاري (44) وأنور معروف (49)، تتوسطهما أصغر وزيرة عرفتها تونس، السيدة سيدة الونيسي (32)، وبشراكة مع منظمة أمن شباب تونس، وبهندسة ورئاسة خبير الإستراتيجيات الدولية، المتحصل على درجة الدكتوراه، في الإتصالات الضوئية من جامعة "نورث-أومبيريا" بالمملكة المتحدة، الدكتور أيمن القاطري، الذي تم اختياره منسلخ السنة الفارطة، ضمن 26 أهم قيادة شباببية حول العالم، خلال منتدى فرصوفيا الأمني.

وعلى نحو ذلك كان الحضور، إذ شمل ثلّة من الخبراء، و60 من أبرز روّاد الأعمال الشباب في القارة، يربطون جنوبها بأعلى نقطة في شمالها، وشرقها بغربها، تحت لافتة "الاتحاد الاقتصادي لشباب أفريقيا". ومما كان ملفتا للأنظار، مشاركة مجموعة كبيرة من السفراء وممثلي دول، أوروبية وآسيوية وأخرى خليجية، قد لا يجمع بعضها بالضرورة، علاقات انسجام ومودة، بما يمثّل نجاحا مرموقا في كواليس الديبلوماسية، في الملاءمة بين المتضارب من المصالح، والتأليف بين المتعارض من التوجهات، لينمّ عن نضج في ذهنيّة استراتيجية، تنهي حالة الحياد السلبي التي اتسمت بها مدرسة الاستقلال، وتقطع مع ما استشرى بعيد أربعطاش جانفي، من بهلاوانيات القفز الضفدعي والخوض بالوكالة في النزاعات الإقليمية، إلى "ديبلوماسيّة النأي البنّاء" المحمّلة ببذور قواعد اشتباك جديدة على الساحة الدوليّة، تستفيد من التناقضات، وتجعل منها محرّكا تحرّريّا، يخرجها من ضيق العلاقات الثنائية (Bilatérale) وما يتبعها من أجحاف في الاتفاقيات، نحو ما توفره العلاقات متعددة الأطراف والأبعاد (Multilatérale)، من مساحات فسيحة للمناورة.

وختاما، فلعلّ فوز 15 رائد تونسي شاب، بالمساهمة في هذه التظاهرة، بعد فرز تضمن حوالي 700 مشروع ناشئ، بشير خير ضمن هذه الضباببية السياسية، لزمرة جيليّة، أدركت غايتها وشرّعت سفينتها، لتكون ربّان الخضراء نحو فجرها الصادق، تنتشلها من فيافي الماضي وبراثن الراكدين في أوحاله، لتربو بها إلى جنان المستقبل، بسواعد الراكضين نحو واحاته، ساعية إلى تجربة خاصة لجيل من الفاعلين الجدد، يرون ذواتهم والإقليم والعالم، من خلال روح جديدة، غير مثقلة بالتأزمات الماضية وترسّباتها، ويصرّون على إعادة تعريف كل المعاني القديمة، إذ أن "لتعاقب الأجيال أهمية خاصة، كعنصر لتجديد أنماط التفكير"، كما يقول "راوول جيرارد". وقد حان الوقت، لتحويل هِبَةِ الثورة الشبابيّة، إلى هَبَّةِ شباب الثورة، لتثوير اقتصاد تونس وديبلوماسيتها، حتى يحوّلوا ثورتهم إلى ثروة وطنية، فسيرورة الحضارة الإنسانية ونهضة الأمم، تكون على نفس إيقاع التداول الجيليّ فيها، وما مشروع "ستارتاب غايت" في هذا المنحى، إلا تأكيد آخر على هذا المعنى.