رحلة في غياهب الذات

BLOGS تأمل

الوقت الذي تختلي فيه بنفسك كفيل بأن يثبت لك أنك كل قادر على التجزأ، مجموعة من الأرواح تتناوب على جسد يترهل مع الزمن، مجموعة من الأرواح تتلاشى الواحدة تلو الأخرى مع كل مرحلة مفصلية من الحياة. وحدها الأجساد تموت مرة واحدة أما الأرواح فتموت فينا مرات ومرات فتترك خلفها أشباحا تطاردنا في النوم على هيئة كوابيس وباليقظة في ثوب تهيؤات وخوف من صدمات الحياة.

 

هنا لا نتحدث على الروح بالمعنى السطحي للكلمة بل بالمعنى الفلسفي الوجودي. إقتطع تذكرة لداخلك، لعمقك، لتفاصيلك ولغياهب نفسك وستعرف أين تدفن تلك الأشياء والأفكار والفضلات والترسبات الروحية التي أهملتها الذاكرة، ستكتشف أن بالداخل، في أعماق ذواتنا، هناك ثقب أسود (trou noir) تدفن فيه كل روح أهلكتها الأقدار وأضنتها الحياة، هناك حيث الاغتراب الروحي ومنفى المشاعر والروحانيات، كل تفاصيلك لا تخضع لسلطة ثنائية الزمكان.

  

هناك عالم آخر بداخلك، فوضى وجودية تنتظر ثورة على نفسك، على ذاتك التي ترى أنك هكذا لأنك يجب أن تكون هكذا، هناك حيث الركن المظلم من تاريخك وكينونتك، حيث الظلمة تسود المكان، هناك طمرت رفات نفسك وحطام أفكارك وأمانيك المبعثرة على قارعة الخذلان، أنبش قليلا في عمق الذاكرة وعد بقطار الزمن وتوقف بكل محطة برهة ستعترضك أشباحا تشبهك يخيل لك أنك آلتقيتها ذات فوضى من الأحداث.

 

كل مرحلة من تاريخك مختلفة عن سابقتها لآختلاف العوامل المتداخلة في تكوين المشهد المعاش، بمنطق فيزياء الذات يمكن تسمية الظاهرة بالنسبية الروحية

في الحقيقة هي تفاصيلك التي نحتت صيرورتك وشكلت فسيفساء حياتك وذاكرتك المنسية. تصفح أوراق روايتك عكسيا وعد إلى أزقة مدنك المهجورة وستجد ذاك الطفل الصغير مازال يتسكع في عمقك، يتعثر يسقط ثم يقوم أقوى، ذاك الطفل الذي يعدو ويغدو ويلهو عاريا حافيا في ربوع الحياة لا يحمل بين الضلوع غير الروح النقية التي زرعها به الله، ذاك الطفل الذي يحمل من البراءة ما يكفي بأن يجعله يحب الجميع دون إستثناء، يضحك دون سبب، يبكي بسرعة ويتصرف بكل تلقائية بلا حسابات ولا خلفيات بمجرد أن يضع رأسه على الوسادة يخلد إلى نوم عميق.

 

ذاك الذي تتغير نظرته للحياة لمجرد حصوله على قطعة حلوى أو لعبة جميلة، ذاك الذي يظن أن العالم ينتهي حيث ينتهي آمتداد بصره وأن الذين ماتوا هم برحلة إلى العالم الخارجي لكن سرعان ما سيعودون وان الشكل المنحوت على القمر هو عبارة عن إمرأة مشنوقة من عينيها عقابا من الله كما تقول الأسطورة والذي يعتقد أن الله يسكن في السماء ودائما ما يخبره أنه يحبه ولا يخافه بقدر ما يخاف من "الغول" والعنقاء.

 

ذاك الطفل الذي يصلي دون وضوء ويتحدث إلى الله أحيانا وكأنه صديقه، ذاك الصغير الذي يعود لأمه باكيا ويرتمي في حضنها ليخبرها أنه كسر لعبته أو أنه تعثر وسقط على الارض ثم ينام بين أحضانها قبل أن يكمل الرواية التي تقصها عليه لتخفف عنه شئ من وجعه، رجع صدى ضحكاته وشغبه وبكائه مازال يعزف إيقاع سيمفونية البراءة التي تزين ذكرياتك، تلك الروح الطفولية ستظهر دائما في حياتك حتى وأنت شيخ حين تقرر أن تواجه الحياة بشئ من اللامبالاة والعفوية والتفاهة. تلك الروح هي شئ من الصفاء الوجودي وطفولتك تلك هي الأبدية التي ولدت من رحمها.

 

في ثنايا زقاق الصبى سيلوح لك ذاك المراهق الغريب الأطوار متمردا على كل نواميس طفولته ويعيش صراعا مع ذاته ومع كل من حوله، بين كيانه الطيب ونفسه المتوحشة، سيلوح لك غامضا، صامتا لكنه يغرق في فوضى وجدانية داخلية بين أفكاره التي لا تهدأ والتي تحمل في طياتها ثورة على الماضي تتزامن مع انبثاق حراك جسدي غير مألوف، ستجده يكتب أفكارا عنيفة مجهولة النسب الفكري لكن بعمق التمرد الروحي ويخط رسالة عشق للسراب والوهم ولحبيبته التي آلتقاها في منفى الرواية الحزينة خلف الجدار العازل والأسلكة الشائكة حين كانت تبحث عن فارس وسيم يحمل كل مقومات الرجل الخيالي القادم من عمق اليوتوبيا.

 

ستجده منزو في ركن ضيق من الذاكرة، غارق في تفاصيله، تائه في الفوضى اللغوية لقصائد درويش وبقايا روايات الأدب الرومنطيقي وقصص الحب العذري ورسائل كافكا إلى ميلينا ورساائل جبران إلى غادة السمان وتنبعث من الركن الذي يقطنه خرخشة وزجل أشرطة العندليب و"الست" واسمهان وغيرهم ممزوجتان بدخان سيجارة تنساب مع الضوء الذي ينبعث من نافذة الخلود وأبدية الموت.

 

وأنت تواصل الرحلة بين ثنايا المتاهة الروحية، في منعرج المنتصف ستجد ذلك الشاب الناضج على ربوة الرواية يتطلع إلى ما آنقضى وما تبقى من الرحلة وقد بدأ يكتشف الوجه الحقيقي للعالم. سيلوح لك كنازح من وطن الصبى إلى منفى الحياة بمسؤولياتها وضوضائها ووحشيتها أين ستنضج أفكاره، تتغير نظرته للأشياء لتصبح أعمق وتتقلص دائرة إهتمامه بالعالم الخارجي. في تلك المرحلة يزداد منسوب الوعي والإدراك لديه ويقطع حبل الوتين بين القلب والعقل فتتبلد المشاعر ويبلغ ذروة خصوبة المملكة الفكرية وتصبح الذات كساحة لاغورا مسرحا لنقاش الأدب، الفلسفة، العلم والسياسة. في ذلك المنعطف ستقوده أفكاره إلى التموقع ايديولوجيا والتعمق في الفلسفة الوجودية وفكر اليوتوبيا وأدب الثورات وأدب السجون، يتنقل بين أدب هاروكي موراكامي ودوستويفسكي وغيرهم من الأسماء التي تغازل العقول الراقية بكتاباتهم.

 

كل مرحلة من عمرك تترك آثارها في عمقك وهي مرتبطة إرتباطا وثيقا بالعوامل المحيطة بكيانك في تلك الفترة. كل مرحلة من تاريخك مختلفة عن سابقتها

في الطريق إلى زنزانة الكهولة يكون قد آكتشف أن غالبية حكم التنمية البشرية مجرد لغة للإستهلاك وأن بعض الأحلام خلقت لتكون مجرد أماني وأن القادم ربما لن يكون أفضل وأن الأيام التي كان يتمناها أن ترحل بسرعة هي عمره الذي لن يعيشه إلا مرة واحدة. في ذلك المنعرج سيتخلي عن كبريائه وعن نرجسيته ويخضع لإملاءات الواقع بكل ما يحمله من دراما. تلك الروح المنهكة ستجد عليها آثار التشوه الوجداني وبصمات كل من مروا في طريقها والذين طالما كانوا مشبعين بالخذلان والخيانة.

 

حتى شيخوختك التي لم تدركها أو بصمتك الهوياتية النهائية وملخص كل تفاصيلك فهي حاضرة وبقوة بعمق شخصيتك لأنك على الدوام تحمل عناء نهاية الرحلة وانت لا تعلم أن نهاية الرواية يمكن أن تكون في أي لحظة، صوت ذلك الشيخ القابع بمعتقل الركود والخمول سيظل يدعوك إلى عدم الإنسياق وراء مسار الزمن متسارع الخطى وإلى المهادنة مع التاريخ لربح أكثر وقت ممكن من الزمن الراحل لا محالة حتى تتمكن من نشر الرسالة التي تحملها وبلوغ الهدف الذي تركت لأجله دفئ العدمية مرتحلا نحو مستنقع الحياة، هي سنة كونية وحكمة إلهية لا تستطيع تغييرها لكن بإمكانك إستغلالها لصالح نفسك والإنسانية. شبح ذلك الشيخ الجالس على أريكة الإنتظار ينتظر دوره في الرحيل نحو المجهول سيظل يؤرق نومك وينذرك بأن الأصوات القادمة من زمن الأموات، رغم صمت المقابر، لا تبعث على الإرتياح حتى لا تفقد الجانب الإنساني، الروحاني والعقائدي من كينونتك.

 

هذا جزء مما يكمن بجوفك بكل تفاصيله وخباياه، كل مرحلة من عمرك تترك آثارها في عمقك وهي مرتبطة إرتباطا وثيقا بالعوامل المحيطة بكيانك في تلك الفترة. كل مرحلة من تاريخك مختلفة عن سابقتها لآختلاف العوامل المتداخلة في تكوين المشهد المعاش، بمنطق فيزياء الذات يمكن تسمية الظاهرة بالنسبية الروحية. كل هذه الكيانات التي تجسد شخصية الفرد تخلق صراع ميتافيزيقي بين الحقيقة التي يعيشها الآن والخيال المطمور بداخله والذي يجمع تلك الأرواح أو الأشباح الآنف ذكرها يمكن تسميته بصراع الكينونة والصيرورة.

 

الحقيقة تخضع إلى رباعية الرواية (الزمان، المكان، الشخصيات والأحدات) وتربطها الذاكرة والتسلسل المنطقي ببعضها أما الخيال فهو أشباح شخصيات تعيش في فوضى وعبثية من الأحداث لا تخضع لسلطة الزمكان.. هي رفات تاريخنا وأحلام مستقبلنا. لا يوجد شئ عبثي في مخيلاتنا، حتى خيالاتنا جزء منا، فنحن على الأرجح نحس بطفولتنا، نتخيل بشبابنا ونتصرف بشيخوختنا التي لم تأت بعد، حين يغيب الوعي تظهر هاته الخيالات لتملأ الفراغ الروحي لأن الطبيعة تأبى الفراغ. كل هاته الفوضى لا تموت لذلك تصالح مع ذاتك ولا تغفل تاريخك حتى لا تجد نفسك تائها ملقى على قارعة النسيان بدون هوية.