مسافة في عقل رجل.. الرواية التي تناقش الأديان بكل جرأة

لقد كان لعنوان رواية علاء أبو حامد "مسافة في عقل رجل" دلالات عميقة، وأسباب واضحة أمام اختيار هذا العنوان، ذلك أن مضمون الرواية يتعلق بمجموعة من التساؤلات الوجودية، والتي تخص الرب والأديان والإنسان والحياة والجنة، وهي كلها مفاهيم مترابطة، تضع الإنسان أمام إشكالية الوجود الكبرى، بناء على ذلك افترض الكاتب الحياة الأخرى، وتخيل الجنة انطلاقا من أوصاف الأديان، وفيها دارت حواراته مع شخصيات متعددة، وهكذا حاول أبو حامد تحليل مجموعة من التساؤلات التي تدفع بالعقل إلى البحث عن الحقيقة، حقيقة الوجود والمصير والإله وما إلى ذلك، وهي حقائق تستعصي على العقل، ففي ظل غياب منطق صارم وعقلاني يحكم الأديان والوجود تتجلى هذا التساؤلات، لتضع الإنسان أمام معضلة الحياة، وأمام وجود محكوم بالتناقضات، ولعل ذلك بمثابة سبب كاف يمكن أن يدفع بالإنسان إلى وضع كل شيء في مختبر الشك في سبيل البحث عن اليقين المنطقي.

 

يناقش الكاتب المصري علاء أبو حامد في روايته "مسافة في عقل رجل" تساؤلات وجودية عميقة ومعقدة، تساؤلات تدفع بالعقل الإنساني إلى البحث عن حقيقة المعتقد الذي وجد نفسه فيه، وهي تساؤلات منطقية بالأساس، لأنها تستحضر العقل والمنطق والواقع قبل أي شيء، وبالتالي فمن الضروري الخوض في هذه التساؤلات لكي يدرك المرء حقيقة وجوده، هذا إذا كانت هناك حقيقة أصلا. من خلال ذلك تطرق الكاتب لمسألة الاختيار في الدين والمولد، هذه الأمور تفرض نفسها بعيدا عن الاختيار، ذلك أن الاختيار لا يكون متاحا للمرء ما دام ليس هناك بدائل واضحة. وإذا كان من الضروري تغيير المعتقد فما الجدوى من ذلك؟ وهو نفس التساؤل الذي طرحه العقلانيون، باعتبار أن هناك شعوب تحررت من الأديان، ويتعايشون في ظل أخلاقيات راقية، وهناك شعوب أخرى تدمن الأديان بلا أخلاقيات، وبالتالي فغياب الدين لا يعني بالضرورة غياب الأخلاقيات كما يعتقد البعض.

 

اختار علاء أبو حامد طريق الخيال، ليضعنا في الجنة كما وصفتها الأديان، ومن خلال ذلك ركز على مجموعة من التفاصيل التي تحيط بالجنة، وفي نفس السياق خلق مجموعة من الأحداث، التي سقط فيه البطل أثناء تواجده في الجنة

يرى الكاتب بأنه بات من الضروري وضع الدين في إطار علاقة بين الإنسان وربه فقط، بعيدا عن المعاملات الإنسانية، باعتبار أن الأديان لم تعد تصلح كمنهاج في الحياة، بعد أن حرمت في الكثير من نصوصها أحاسيس المجتمعات من فنون ورسم وموسيقى، وهو الأمر الذي يحصل الآن في البلاد المتحضرة، هذه الأخيرة تحدد أسلوب الحياة بناء على اعتبارات تستوحيها من الحضارة. ثم تساءل الكاتب بخصوص الأديان إذا كانت شُرعت من أجل الإنسان أم أن الانسان خلق من أجل تطبيق شرائعها عليه؟ وهل فكرة الأديان سابقة على وجود الإنسان أم أن وجود الإنسان سابق عليها؟ هل الإنسان خلق من أجل الدين، حيث يصبح الدين غاية والإنسان وسيلة؟ أم أن الدين شرع من أجل الإنسان حيث يصبح وسيلته في تحقيق السعادة؟ ثم لماذا تعددت الأديان؟ هل كان للدين صيغة واحدة تناولها البشر بالتعديل والتغيير حتى وصلت إلى ما هي عليه؟ أم أنها قد تكون صيغ بشرية بدعوى أنها إلهية؟

 

لقد وصلت البشرية إلى عصر أصبح فيه العقل سيد الموقف، حيث لم يعد يسيرا إقناع الناس بالإيمان بالجنة والنار، بل أصبحت البشرية أكثر واقعية تؤمن بجنة أرضية واقعية، يوجد فيها من أسباب الحياة ما يكفي للاستمتاع. ومن ثم ضرورة مراجعة شاملة لأخلاقيات العصر، خصوصا ما يتعلق بالعلاقات الإنسانية من حلال وحرام وخطأ وصواب، وهذه المراجعة يجب أن تتأسس على علاقة الضرر لا على ما يتم توارثه. وطرح الكاتب مجموعة من الأسئلة الخالدة، والتي عجزت الأديان عن وضع تفسير علمي مقنع لها، من قبيل: من أين جئنا؟ وإلى أين ننتهي؟ كيف خلق الإنسان؟  وبالمقابل أعطت إجابات خرافية لا تليق بالعقل الإنساني، فأين الحقيقة إذن؟ هل هي نسبية؟ تختلف باختلاف عقل من يلمسها، هل هي وهم لدى البعض، وحقيقة ثابتة لدى البعض الآخر؟ من هنا أصبح الإنسان كائنا مفكرا يبحث عن الحقيقة، ويريد بعثا جديدا يعتمد على أغلى ما في رأسه (العقل البشري)، بعثا يفسر لنا هذه الحياة، وبعثا يخطو بخطوات ثابتة على أرض العلم والمنطق، ويحرص فيه على الحقائق المجردة، بواسطة النقاش الهادئ، والمحاورة المثمرة، وبعثا يعد بجنة على الأرض لا في السماء.

 

من المؤسف أن يحرم الإنسان نفسه عن البحث عن الحقيقة في الدنيا، والاكتفاء بالاغتراف من الأديان، في هذا السياق اعتبر الكاتب أن الإيمان بالأوهام يظل ستارا يحجب عن العقل هموم الحقيقة، ذلك أن الحقيقة بهمومها أفضل من الوهم بسعادته. ثم افترض الكاتب ما يخص جنة اللذة الحسية، إذ يصبح كل شيء مباحا أكثر من اللازم، هناك وجد بطل الرواية نفسه أمام كل الأمور التي وُعد بها الناس في الجنة، وهناك التقى بتجار الدين، والذين  يقومون بأبحاثهم في معامل الدين، ويصنعون فيه أفكارهم، هؤلاء الذين حولوا المضمون إلى شكل، وحولوا إرادة العمل إلى طقوس وعبادات سقيمة، وحولوا العلم إلى بخور وأضحية وأدعية، وزيارات قدسية وابتهالات، ودعوات وتشنجات وجن وشياطين، وبالتالي أصبح المضمون مجرد صورة وضعت في إطار مقدس يرهبه الجميع، ويسجد له الكل، وينشدون له الأهازيج ويعتصرون منه الخرافات. من خلال ذلك يمكن القول بأن الوضع في الجنة لا يشجع على العمل، بقدر ما يشجع على الكسل.

 

افترض الكاتب في إطار تساؤلاته العقلانية على لسان صديقه في الجنة أنه يوجد ناموس إلهي، يحدد كل شيء في هذا الوجود، ولما أراد البعض التمرد على هذا الناموس، أصابتهم اللعنة، فسجن البعض داخل شياطين، والبعض الآخر في غرائز إنسانية. وافترض كذلك أن هناك صلة افتراضية تجمع الله بمخلوقاته، وهذه الصلة لا يسندها دليل منطقي أو نظرية علمية، وهذه المخلوقات ليست سوى جزئيات من الخلية الإلهية، لكن هذه الفرضية لا تناسب ما يمكن أن يصل إليه الانسان بعد أن يكتشف قدراته الداخلية وأسراره الغامضة، حينئذ سيصبح كل شيء في الوجود طوع إرادته. أما ما جاء في نقاشه مع آدم، فكان التساؤل بخصوص إذا ما كان من ينكر وجود الله حقيقي فعلا، ثم تساؤل آخر مرتبط بحقيقة آدم.

 

ثم التقى البطل بالنبي موسى، ومن خلال حواره معه، برر له موسى قصته بأنها بمثابة رمز يعبر عن الصراع بين الخير والشر، إذ انتصرت عصا الخير على شرور الكهان وأغرقت الكفرة في بحرها القاتل، وهكذا يتم النظر إلى تلك القصة على أنها رمز، كما تساءل الكاتب بخصوص جريمة القتل التي ارتكبها موسى، والتي بررها موسى كذلك باعتبارها لم تكن سوى رمز، واعتبر الكاتب على لسان موسى أن الأمر ليس أكثر من تشويه صورته وتضخيم أخطائه لحساب نبي آخر. وهكذا اعتبر الكاتب أن وصايا موسى قد تكون بمثابة دليل على وجوده، وقد يكون نبي شعب الله المختار، ومن ثم اعتبر الكاتب بأن كل هذه التساؤلات تهدف إلى مسح الصدأ عن التاريخ، وليس طمس معانيه، وفي هذا الصدد تساءل الكاتب بخصوص إذا ما تم تجريد موسى من وصاياه، ماذا سيكون قد قدم للإنسان في ظل ارتباطه بمجموعة من الأساطير.

 

اختار علاء أبو حامد طريق الخيال، ليضعنا في الجنة كما وصفتها الأديان، ومن خلال ذلك ركز على مجموعة من التفاصيل التي تحيط بالجنة، وفي نفس السياق خلق مجموعة من الأحداث، التي سقط فيه البطل أثناء تواجده في الجنة، وما لازم ذلك من غرابة واستغراب للأشخاص الذين كانوا فيها، ونظرا لغرابته فقد تم التعامل معه بنوع من القدسية أحيانا، وأحيانا بنوع من التعذيب والشك فيه، ومن ثم حاول انطلاقا من عقله تدبر أمره، والتفكير في مخارج للأزمات التي ظل يتورط فيها هناك، كما أن تواجده في الجنة قاده إلى لقاء مجموعة من الأنبياء، وظل يسائلهم، ويحاكمهم بناء على القصص التي تم ربطها بهم، وهي تساؤلات يقودها العقل بعيدا عن العاطفة، وفي ابتعاد تام عن الخرافة وما يخالف المنطق، وسنكتشف ذلك مع الجزء الثاني من هذه القراءة التي حاولت الخوض فيها من أجل نفض الغبار عن هذه الرواية التي تتضمن محاولة في إعمال العقل، ومناقشة مضامين الدين.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة