هل يتحكم الذباب الالكتروني في حراك الجزائر؟

blogs الجزائر

من الصعب جدا لأي كان أن يجزم أن هناك ذبابا الكترونيا بالمعنى المتداول وراء كل ما جرى في تطور المشهد الحراكي في الجزائر لحد الآن، فالجزائريون فعلا يعيشون يوميا تجاذبات عجيبة وتداولا لأفكار غريبة تجعل المتابع يضع عشرات الاستفهامات حول طبيعة هذا التغير في الذهنيات والمواقف.

 

هناك بلا شك رسائل مجهولة تأتي في صناديق رسائل الماسنجر وتنتقل بسرعة من حساب لآخر، وهذا يرجع ربما إلى أن الغالبية يتداولون الخبر الجديد على أنه سبق، أو أنهم أول من اطلعوا عليه، ورغم الغرابة الواضحة في تلك المناشير التي تتناول معلومات غير موجودة حتى في أكبر المواقع الإخبارية، فإنها تلقى رواجا واسعا، ومن ذلك مثلا أن هناك رسالة وردت بحر هذا الأسبوع، أي قبل الجمعة الخامسة عشر، تتحدث عن شروع الجيش في عملية إرسال الدعوات للحوار إلى بعض الأسماء، وأن هذه العملية ستتم في سرية، وأن الغرض من ذلك أن لا توجه دعوات لطابو وبوشاشي وسمير بن العربي، وأن اجتماع الحوار سيكون يوم الخميس، على أن شيئا من ذلك لم يتم، وقد مر يوم الخميس، ويبدو أن الرسالة فشلت هذه المرة.

 

الشعب الجزائري معروف بذكائه الفطري، ومعروف بتميزه، وأعتقد أنه يجب أن يتفطن لمسألة الذباب الالكتروني هذه، وأن يتوجه إلى التوحد، وعدم إعطاء الفرصة للمشتتين

في الحقيقة أنه لا يمكن التكهن بأن هناك جهة واحدة ترسل مثل هذه الرسائل، هناك من يرى أن الجيش ومخابره من يقومون بإعداد هذه الرسائل الموجهة بدقة لتحقيق أهداف معينة، لكن من المتوقع جدا أن تكون هناك جهات كثيرة أخرى، سيبرانية، أو حتى من داخل جماعات وتنظيمات، تقوم بصناعة هذه الرسائل، لأنه في كل مرة تكون الرسائل ذات مضامين مختلفة وصيغ مختلفة، وإن كانت تحاول كلها أن تحاكي بعضها البعض، في اللغة وفي طريقة الكتابة، لا يخفى أن كثيرا من تلك الرسائل تستعمل نقاطا حمراء لأفكارها، وهذا الأسلوب الذي صار يستعمله حتى بعض الفايسبوكيين العاديين يثير الشكوك حول منشئها ومبتغاها.

 

هناك بلا شك أسماء اشتهرت في السنوات الأخيرة قامت بعمل غسيل كبير على مستوى مواقع التواصل الاجتماعي في الجزائر، يرجح أنها جهات مخابراتية، لكن هناك بعض الأسماء تعتبر ألغازا في حد ذاتها، مثل محمد الوالي الذي كان معروفا بالقط وبالماريشال، والذي اشتغل على أطروحة لقت رواجا كبيرا، وشغلت حيزا لا بأس به من حراك 22 فبراير في الجزائر، وهي أطروحة الزواف، والتي يبدو حسب رأيي الشخصي أنها بدأت في التراجع في الآونة الأخيرة، بسبب التسارع الكبير للمشهد الحراكي.

 

كل يوم تقريبا نشهد سجالا جديدا حول مواضيع جديدة، كان آخرها السجال الذي تمحور حول مبادرة قام بها بعض وجوه جمعية العلماء المسلمين الجزائريين على رأسهم الشيخ الطاهر آيت علجت الذي تجاوز سنه المائة سنة، والذي كان مجاهدا ومفتيا في زمن الثورة، ولم يشفع له سنه ولا جهاده ولا مكانته العلمية لتشن عليه بعض الجهات حملة شرسة، لأن مبادرته تضمنت فكرة المرحلة الانتقالية، هذه الفكرة التي يروج في مختلف المنابر أنها تخدم العصابة وأذنابها، ويدعو لها تيار (علماني ويساري) يخشى أن ينتج الحراك سلطة جديدة تميل إلى كفة الإسلاميين أو حتى المحافظين.

 

في واقع الأمر هناك تخوف كبير من أي يوجه الذباب الالكتروني ضربة قاضية للحراك إذا تواصل الأمر على هذه الوتيرة، صحيح أن الحراك امتلك مناعة ذاتية ضد العنف باعتباره اتخذ السلمية شعارا، ولكن الاختلاف الكبير في الأطروحات المتواجدة في الساحة، بالإضافة إلى لغة الرفض والممانعة وعدم قبول كل الحلول، سوف يؤدي مع مرور الوقت إلى الانشقاق وربما الوقيعة، ويصبح النداء لتغليب لغة العقل والحذر كذلك من الأفكار التي تروج بطرق غير بريئة هو السبيل لتجنيب الحراك مغبة الخروج بنتيجة مخيبة للآمال.

  

أعتقد من جهتي أن خطورة الذباب الالكتروني في الجزائر أنه قد يكون الأكذوبة الكبرى التي تم الترويج لها في وقت سابق، فمع بدايات الحراك لم يكن الجزائريون يدركون هذا المعنى، رغم أنه موضوع شائع في كثير من الدول، وهذا أدى إلى خلق حالة من التقمص وربما الانفصام لدى الجزائريين الذين اكتشفوا موضوعا جديدا، فراحوا يروجون له بطريقة هستيرية، حتى صار من السهل توجيه تهمة ذباب لكل مخالف في الرأي، لم تعد الأسماء المستعارة وحدها تحمل صفة الذباب.

 

هناك سقف عال جدا من المطالبات والشعارات التي لا يمكن أن تكون نتيجتها مأمونة، وهذا السقف إذا تواصل التعامل معه بهذا الشكل قد ينهد على الجميع

لقد صار الكل ذبابا في النهاية من حيث لا يدرون، يحملون الفكرة وينقلونها، وينتقدون ما عداها، وهي ليست فكرتهم بالأساس، بل سبق وأن تلقوها بطريقة ما دون شعور منهم، أعتقد أن هناك أطروحات معينة من الصعب الاقتناع أنها تشكلت لدى أصاحبها نتيجة قراءة حقيقة للمشهد، لقد تم اكتسابها في لحظة معينة ثم تم التمسك بها كقناعة راسخة لا تحتمل المناقشة، وهذا يجعل الحوار المزعوم فاقدا للمعنى، لأن الحوار يكون بين أطراف تحمل بوادر التقارب، أما الذين يستمسكون برأيهم مهما كان فإن الحوار معهم هو الطريق المسدود.

 

هناك على الأقل الآن أطروحتان تميزان الحراك الجزائري، إحداهما تضع يدها في يد الجيش لأي حل من الحلول التي يمكن التوافق حولها، سواء كان ذلك بتنظيم انتخابات رئاسية كخطوة أولى، أو اللجوء إلى تعيين شخصية توافقية أو مجلس رئاسي لتسيير الدولة لمرحلة انتقالية أو لتنظيم انتخابات رئاسية مباشرة، أو اللجوء إلى مرحلة انتقالية طويلة متبوعة بحوار أو ندوة بغية تأسيس مرحلة جديدة من حياة الدولة دون تسرع، أما الطرح الثاني فهو يرفض تدخل الجيش في السياسة، ويرفض كل ما يطرحه الجيش من رؤى، ويعادي الجيش أحيانا أو بعض رموزه، ويركز في أطروحاته على كل ما يحط من قيمة الجيش، سواء بالنظر إلى تاريخه، أو إلى بعض الأشخاص فيه، أو حتى الاتهام له بالخيانة والعمالة، وهذا معروف ومشهود ولا يخفى لا أحد.

 

لا ندري بالتحديد هل يخدم هذا الاتجاه الثاني مصير الحراك أم أنه يقوضه، فعلى الأقل وجود هذا التيار وتمكنه من قول كلمته يجنب الجزائر لحد الآن أهم شيء كان الشعب يتخوف منه، وهو النظر إلى ما يقوم به الجيش على أنه انقلاب، أو محاولة إيصال ذلك إلى التدويل، بكل ما ينجر عن ذلك من الخوف من مصير كمصير ليبيا أو العراق أو سوريا، فالأطروحة التي تعادي الجيش لن تتوانى أبدا في إلصاق صفة الانقلاب على ما يقوم به الجيش لو طلب منها تقديم رأيها، لأن هذا هو النتيجة المنطقية لمعاداة الجيش، وهو ما يوقعنا بكل صراحة في أهم نتيجة تسعى إليها فكرة الذباب الالكتروني في النهاية، وهي تفتيت الجيوش، وإدخال البلدان في حالة اللاقدرة على بناء نفسها، فتصبح دولة آيلة للانقسام فقط دون إمكانية لم الشمل كسابق عهدها، وما العراق بمثال بعيد.

 

نخلص من كل ذلك، أن الشعب الجزائري معروف بذكائه الفطري، ومعروف بتميزه، وأعتقد أنه يجب أن يتفطن لمسألة الذباب الالكتروني هذه، وأن يتوجه إلى التوحد، وعدم إعطاء الفرصة للمشتتين الذين يروجون الأفكار الصدامية، ولا ننسى أيضا أن جو الحرية الكبيرة الذي تعيشه البلاد على صعيد الرأي، ولا أقصد بذلك عدم وجود انتهاكات لحرية التعبير، لكن هناك سقف عال جدا من المطالبات والشعارات التي لا يمكن أن تكون نتيجتها مأمونة، وهذا السقف إذا تواصل التعامل معه بهذا الشكل قد ينهد على الجميع، وتجربة مرسي في مصر أيضا غير بعيدة، لقد سمح للجميع بانتقاده وأدخل البلاد في حالة من الحرية التي تجر الويل على أصحابها، فكان ذلك معجلا بالانقلاب عليه، فالدول تبنى بالقوانين والأخلاق، وما نشاهده يتجاوز القوانين والأخلاق إلى حالات الفوضى التي يسكت فيها الحق، ويتكلم فيها الباطل.