والدي والختيار الحلبي ومحمد مرسي.. أنا مع المظلوم!

blogs محمد مرسي

تلقيّتُ بحزن بالغ نبأ وفاة الرئيس المصري محمد مرسي، رحمة الله عليه. ومما أحبّ أن أذكره، أنني في صباح ذلك اليوم المشهود، في مدينة ساو باولو، كنتُ أتحاور مع والدي، الذي توزعت سنوات حياته بين البرازيل ولبنان، والذي عمل لسنين طويلة (١٥ سنة تقريبا) في التجارة في طريق الشام في محافظة البقاع اللبنانية (سوبر ماركت وتجارة جملة)، والذي تعرف الى الكثير الكثير من الناس من الأكابر وعلية القوم والعامة، ومن أهل الحلّ والربط، ومن رجال الدين والدنيا والسياسة ومن أهل الفن من كل الوطن العربي. قال لي والدي أنه لا ينسى مسنًّا حلبيًا كان زبونه في السوبر ماركت (الذي كان يعتمد كثيرا على الزبائن السوريين)، أوصاه بوصية مضت عليها ربما ثلاثون سنة. يقول والدي إن هذا الختيار (الشيخ باللهجة العامية في بلاد الشام) قال له: يا ابني مُتْ مظلومًا ولا تَمُتْ ظالمًا! 

 

أعرف سيرة والدي جيدا، وأعرف ان هذا شعاره في الفعل قبل القول، فهو أكثر إنسان متسامح عرفته في حياتي. وكان من قبيل الصدفة أنني بعد بضع ساعات من سماعي لهذه الموعظة البليغة من والدي الذي تعلمها من الشيخ الحلبي، أنني بلغني، عبر الفيسبوك، نبأ موت الرئيس المصري الشرعي محمد مرسي، الذي قضى نحبه مظلومًا. لا أريد ان أكون ظالمًا ولا مظلومًا، ولكن إن خُيِّرتُ بين الإثنين فإنني أختار وصية الختيار الحلبي لوالدي، وهذا لعمري أعظم إرث يتركه لي والدي. ليست مهنة الطب، ولا الثقافة، ولا الأملاك هي أعظم ما أرثه عن والدي. إنني أرث عن والدي في حياته أعظم المواقف الإنسانية. ولأنها إنسانية وعظيمة، فإن هذه المواقف تؤثر الصمت والانزواء، وتبتعد عن الصخب والأضواء والضوضاء.

 

في قضية استشهاد الدكتور محمد مرسي كما في غيرها من القضايا الكبرى فرصةٌ لإظهار معادن الناس، فالشرفاء من الناس هم أولئك الذين لا يرضون أن تساءَ معاملةُ خصومهم قبل حلفائهم، وينتهجون الحُسنى ولا يحيدون عن الحق في الخصومات

وبغضّ عن النظر عن مظلومية الرئيس محمد مرسي، وعن موقفي السياسي منه ومن جماعته، فإنني مع المظلوم أيًّا كان جنسه وعرقه ولونه وجنسيته ودينه وانتماؤه وآراؤه السياسية وتوجّهاته العقائدية ومذهبه وطائفته. وأنا ضد الظالم مهما بلغ من قوة وجلال وجمال ووقار ورهبة في عيون الناس. لا أقبل الظلم من أي مصدر أتى، وأنصر المظلوم والمستضعَف بكل ما أوتيت من قوة وإمكانيات. وهنا تجد الإشارة إلى أمر في غاية الأهمية: لا ينبغي للتنظيرات السياسية والايديولوجية أن تسلب منا إنسانيتنا. علينا ان نحترم جلال الموت وأن نبتعد عن الشحناء والبغضاء أمام فاجعة الموت وهوله وإزاء الظلم الصارخ. لست إخوانيا، ولي الكثير من الانتقادات لنهجهم، ولكن هذا ليس وقت محاسبتهم. محاسبة الإخوان في هذه اللحظة هو تقديم صكوك غفران للطاغوت الظالم. فالموقف السليم والمشرّف والإنساني هو إدانة الطاغية وأذنابه ورفض نظام الاستبداد.

 

لكن هذا الموقف الإنساني البديهي إزاء وفاة شخصية بهذا الوزن وبهذه الرمزية لم يكن ما لوحِظَ في ما يتعلّق بالإعلام والصحافة في مصر. فالإعلام المصري لم يُقِمْ حُرمةً لجلال الموت، وراح يطعن ويهمز ويلمز في الرئيس المظلوم المضطَهد، ولم يتورّع عن تلفيق التهم الباطلة له في محاولة لقتله معنويًّا بموازاة موته الجسدي. والصحافة المصرية لم تكن أفضل حالًا من زميلها الإعلام، فلم تعطِ النبأ ما يستحق من تغطية واهتمام وحجم، وأظهرت استخفافًا بحدثٍ تاريخي عظيم ومصابٍ جلل، وكأن الفقيد الشهيد لم يتبوّأ قطّ سدّة رئاسة الجمهورية في مصر، وكان أوّل رئيس دولة مصري ينتخب ديمقراطيًا في تاريخ أرض الكنانة الذي ينيّف على سبعة آلاف عام.  

 

وقد نسيَ إعلام مصر ومعه صحافتها أن قضيّة نصرة المظلوم ورفع الجَوْر عن الناس والتصدّي للضَّيْمِ ومقارعةِ الحيْفِ هي أنبل القضايا الإنسانية على الإطلاق. وما بلغت أعظم شخصيات التاريخ ما بلغت من عظمةٍ وسؤددٍ ومجدٍ إلا لتبنّيها هذه القضية تبنيًّا كاملًا شاملًا غير منقوص ولا مثلوم. ونتذكّر الحديث الشريف الذي جعل في أعلى درجات الجهاد كلمة الحقّ تقالُ في وجه السلطان الجائر. ولا يمكن لأيّ جماعة بشرية أن تعيش عيشة الهناء والسعادة إن كان أفرادها من المتظالِمين في ما بينهم، لا ترتفع بينهم للحقّ راية ولا تُرَى للعدالة آية. 

 

وفي قضية استشهاد الدكتور محمد مرسي كما في غيرها من القضايا الكبرى فرصةٌ لإظهار معادن الناس، فالشرفاء من الناس هم أولئك الذين لا يرضون أن تساءَ معاملةُ خصومهم قبل حلفائهم، وينتهجون الحُسنى ولا يحيدون عن الحق في الخصومات. أما الأنذال والسفلة فهم أولئك الذين يتمادون في خصومتهم إلى حد الفجور، ويغالون في عداوتهم إلى حد اللدد، ويقتاتون على الضغائن والأحقاد، ويستحلون الحرام ويستبيحون الأعراف من أجل النيل من خصومهم والوصول إلى الظفر والغلبة على مناوئيهم ومنافسيهم. وهذه آيات المنافقين تأبى إلا أن تظهر للبيب وأن تُفتَضَح في عيون النبيه الفَطِن.  

 

وكفى الدكتور محمد مرسي شرفًا ورفعةً وسموًّا أنه مات مظلومًا، وفقًا لوصيّة الختيار الحلبي لوالدي. وكفاه فخرًا أن عهده القصير كان عهد حريات وحوار في الصحافة والإعلام والثقافة، وفيه هبّت نسائم الديمقراطية لأول مرة في تاريخ وادي النيل. وكفى خصوم وجلّادي وسجّاني الدكتور مرسي كفاهم عارًا وخزيًا وشنارًا أن التاريخ لن يذكرهم إلا قتلة ومجرمين وسفّاحين ومستبدين، وأن الكثرة الكاثرة من معاصريهم في أربع رياح الأرض لا تكنّ لهم إلا مشاعر البغضاء والمقت والكراهية.