الخير ليس سلاحًا كافيًا لمحاربة هذا العالم!

blogs تفكير

الخير ليس سلاحًا كافيًا لمحاربة هذا العالم، هذا ما نسي أو تناسى أهلنا تعليمنا إياه في طفولتنا، غفلوا عنه فأغفلونا.. ربّونا على قصص عالم ديزني "Disney"، وقصص الأطفال العربيّة والمترجمة من اللغات الأخرى، وما حُوِلت لها من أفلامٍ وأناشيد، وكذلك الأشعار التي حفظناها، كلّ هذه كانت تدور في فلكِ فكرةٍ واحدة وهي: إنَّ الخير ينتصر دائمًا مهما بلغت قوة الشرِّ ونفوذ الشرير الظالم وجبروته، وإنّك ستكون بطل القصة والرابح دومًا إن كنتَ خيّرًا حتى وإن كنتَ وحدك أمام جنود الظالم السيء ومشجعيه.

هذا الكلام فيه شيءٌ من الصحة والإيجابية، ونأخذ "النية الحسنة" للقائمين على تلك الأعمال عذرًا على هذه الفجوة التي خلقتها فينا أعمالهم الكثيرة التي نحبّها رغم ما أدركناه فيها من أخطاءٍ أثّرت في شخصياتنا بعدما كبرنا، لكنَّ هذا ليس كافيًا؛ لأنَّ الخير لم يكن كافيًا أبدًا. الحسناء بيل والوحش، بياض الثلج والملكة الظالمة، سندريلا، روبنزل -الأميرة المفقودة-، سالي، آنستازيا، سيبستيان، صفاء وأبطال لحن الحياة، ريمي، وساندي بل، وغيرهم الكثير.. جميع هذه الأعمال التي ترعرعنا عليها وأدفئت أرواحنا الصغيرة آنذاك علّمتنا مشكورةً قيمة الخير وجمال الروح والأخلاق، رسمت لنا الطريق نحو قلوبٍ نقية راضية، شخصية محبوبة، وخيرٌ كثير، لكنّها للأسف لم تعلمنا كيف نبني لأنفسنا شخصيةً قوية متينة لا يكسرها ذاك الشرّ الذي عرّفتنا إياه عبر شخصياتٍ أخرى في نفس الأعمال، لم تدلّنا كيف نحلم ولا نكتفي بالحلم والموهبة بل نطورها ونصبّر عليها حتى تنضج، وأكثر ما نلومها عليه أنّها لم تخبرنا أن الصور فيها تبدو أسرع آلاف المرّات عن واقعنا البطيء، فالخير انتصر فيها سريعًا، صحيح أنَّ عَبرة البطل فيها سقطت أمامنا، وأنّنا رأينا بكائه وانكساره مرّاتٍ عديدة، لكنّ هذا كلّه مرَّ سريعًا بالأملِ والصبر، بينما طال كثيرًا في الواقع.

لا تنتظر مقابلٌ لسعيك من الناس وإنّما ابتغِ نصر الحق في نفسك وغيرك، وانتظر أن تصير أحلامك حقائق فقط، كن قويًا فالضعفاء يُسحقون ويخسرون دومًا حتى وإن كانوا أفضل الناس

نحن كبرنا يا سبيستون، كبرنا يا قنوات الأطفال، يا قناة سوريا القديمة في مطلع التسعينيات وكذلك فترة الأطفال الصباحيّة على التلفزيون الأردنيّ، القنوات التلفزيونيّة والإذاعيّة المُختصة بالأطفال وإعلامهم، كبرنا يا افتح يا سمسم واتضح أنَّ ما من أبوابٍ ستُفتح لنا إن طلبنا منها ذلك بل كان علينا تحطيمها بأنفسنا لكنّكم لم تعلمونا كيف نفعل ذلك؟ الطفل الذي تعلم أنَّ الخير سينتصر لا محالة وأنَّ ما عليه سوى أن يصبّر ويحافظ على جمال ونقاء روحه، كبر وواجه مجتمعًا يختلف اختلافًا كاملًا عمّا شاهده، فماذا سيقول له بعد أن صار شابًا لا يملك سوى الخير؟ هل سيبكي؟ أم أنّه سيقول لهُ متلعثمًا: أنا إنسانٌ خيّرٌ ونبيلٌ اسمح لي أن أحيا وأصير ما أريد؟ هل سيرجوه هامسًا: أنا أحمل بين أضلعي خيرًا وأخلاقًا حسنة لذا عليك أن تدعني أنتصر عليك وأسحقك بخيري هذا؟ ماذا سيقول؟ ماذا؟ هل سينتصر بخيره هذا؟ بل سيهزم أبشع هزيمة كما رأينا نماذج كثيرة في أوطاننا نتيجة هذه الفكرة الساذجة.

توقفوا عن تربية وصنع أطفالٌ مهزومون فشبابٌ ضعيف بشخصياتٍ هشة، توقفوا عن مَلأ إعلامنا بالسذاجة حتى لو زُينت بالحواراتِ والمشاهد الجميلة والقريبة من النفوس. لكنِّي أؤمن بأنّه: إن لم تصنع برنامجك الخاص فستكون جزءًا من برنامجِ غيرك ولن تقبل به فحسب بل ستعمل لأجله وعليه، وأتذكر دومًا جملة المخرج والكاتب نورس أبو صالح: لن يصنع أفلامنا إلا نحن. ولهذا حتى هذا الكلام ليس كافيًا. ولذا أوجه هذه الرسالة للآباء وطلاب الجامعات بشكلِّ عام، وطلاب كلية الآداب والإعلام بشكلٍ خاص، ستكون الساحة لكم يومًا ما ونرجوا أن يكون قريبًا، حين تصنعون أفلامكم، قصصكم، أدب الأطفال ثم الكبار، أناشيدكم الصارخة والخافت صوتها، أيًّا كان ما ستخرجوه من أدمغتكم وقلوبكم إلى صغارنا الأحباء وأملنا الجديد فتوخوا الحذر، أمدوهم بالقوة والأمل مع العمل، احفظوا لنا مستقبل البلاد وأرواح الشباب.

"أنا قصةُ إنسان
أنا جرحُ الزمان
أنا سالي.. سالي"

لن تنزاح أحزاننا بمجرد أن نُصرٍّحَ بها، ولن يتوقف العالم عن إيذائنا إذا بكينا وطالبناه بالتعاطف معنا، علينا أن نقف صامدين أقوياء وكأنّنا لم نجرح أبدًا ونواجه الشر في هذا العالم بشيءٍ من مثله أو من مثل قوته لا بالخير فقط، الخير جيّد ومُحبب لكنّه ليس الدرس الأساسي الذي على الأطفال تعلمه، وإنما علينا أن نحصنهم ونبني شخصياتهم، ندلّهم على مواهبهم، وندربهم على تجهيز حقيبة الحلم لأجل الطريق الطويل الذي ينتظرهم، ونملأها بالأسلحة التي سيحتاجونها للفوز على هذه المصاعب والعوائق الحتمية.

لنقول لهم: هنا يا بُني ستتغلب على هذه المشكلة بالثقة بالنفس، وهُنا بالصبر على التعب مع العمل والجِدّ، وهُنا يا صغيري الحلو عليك أن تكون صلبًا قويًا وتقول: لا. وهُنا يا أيها الحالم عليك أن تتجاوز هذه المشكلة لأنَّها أصغر من أن تعيق حلمك الكبير، أما هنا فعليك أن تستخدم كل قواك العقلية والجسدية، وهناك ستحتاج حُضنًا ينسيك التعب قليلًا، وهنا ستحتاج لنجاحٍ صغير، أما في هذه المرحلة ستبكي لأنّك تعبت وتريد الراحة لكن ما من استراحة محارب في هذه الدُنيا، تقرأ كتابًا تحبّه أو فيلمًا، يعني تقوم سريعًا بشيءٍ تحبّه تختاره أنت وأنت واقف ثم تعود للركض، ستبكي وأنت تركض فامسح دموعك بقميصك وأسرع أكثر..

هنا عليك أن تُبطئ قليلًا لتمد يد العون لأخيك وتنصره، ثم ما إن يقف تعاود سعيك لذاتك، في نهاية طريقك التي لا يعلم أحد أين ستكون ربّما ستحظى بقُبلةٍ على جبينك وربّما لا، ولهذا لا تنتظر مقابلٌ لسعيك من الناس وإنّما ابتغِ نصر الحق في نفسك وغيرك، وانتظر أن تصير أحلامك حقائق فقط، كن قويًا فالضعفاء يُسحقون ويخسرون دومًا حتى وإن كانوا أفضل الناس. تجاوز، انسَ، ابكِ، ثق بنفسك، تعلم، اقرأ، اعمل، أحِبّ.. كن خيّرًا لا ساذج في كل هذه الأحول، ولا تظهر خيرك إلا لمن يستحقه، وستفوز يا ولدي أخيرًا، وأنتِ كذلك يا ابنتي، لكن أنتِ إليكِ نصيحةٌ إضافية: إياكِ أن تنتظري بطلًا ينقذك ويخلصك من جحيمك، حذارِ أن تعاملي نفسك على أنّها ضحية، أنتِ البطلة، انهضي وحاربي لأجل نفسك بكل قوتك ولا تنتظري فارسًا ينقذك أو أميرًا خياليًا كما سندريلا وبيل وغيرهما من الفتيات اللواتي أخطئن يا حبيبتي.

سنغني يا صفاء -بطلة مسلسل لحن الحياة- لكن لن يأتِ ربيع الأمنيات بغنائنا، أدفئتنا أغانيكِ وواستنا روحك الطيبة لكنّ هذا الدفء الذي في داخلنا يصارع الشر الذي يحاول خنقه ونخاف أن يهزمه إن حاربناه بخيرك فقط، قد لمعت عينانا كثيرًا يا قناص، لمعت كلّما تخيلنا أمنياتنا البعيدة ورجائنا الكبير الذي ينتظر منّا أن نكف عن البكاء ونقوم لنصير أبطالًا بكلّ الصبر والإخلاص..

"لو سرقت منّا الأيام
قلبًا معطاءً بسّام
لن نستسلم للآلام.."

وداعًا ساندي بل، سنودعكِ وقلبنا معكِ، اذكرينا أنتِ كما ذكرناكِ نحن.

"حلمنا نهار .. نهارنا أمل
نملِكُ الخيار .. وخيارنا الأمل"

لا ننكر فضل هذه الأعمال في بناء شخصياتنا للإيجابية لكنّنا نقول أنَّ هناك ما ينقص أدب وإعلام الأطفال وعلينا ملأ الفجوات وتصحيح الأخطاء.

"تُهدينا الحياة أضواءً في آخر النفق
تدعونا كي ننسى ألمًا عشناه

نستسلم لكن لا، ما دمنا أحياءَ نُرزق
ما دام الأمل طريقًا فسنحيا"

شكرًا ديزني، شكرًا سبيستون وكل قنوات الأطفال، شكرًا قناة صبا اللبنانيّة، شكرًا قناة سوريّة والتلفزيون الأردني، وشكرٌ كبيرٌ جدًا للعراق على أفلامنا العريقة التي صنعت طفولتنا وكثير من مبادئنا، عودي بقوةٍ أكبر كي نعود أقوى وتعود أجيالنا الجديدة كما نرجوها أن تكون لنسترد بغداد عاصمة الثقافة والعلم. سنصنع أفلامنا، سنصنع أبطالنا، لنصنع أطفالنا وفكرنا المستقل، وعساه قريبًا.

"روميو صديقي يحفظ عهد الأصدقاء،
يعرف كيف يجابه الأيام"
"علّمنا ألّا نخشى الآلام"
عرّفوهم..

الخير ليس سلاحًا كافيًا لمواجهة العالم، إن كان سلاحًا فسيكون سلاحًا فارغًا رصاصه الكثير من المبادئ التي تمنحه القوة، لذا علينا أن نعلمها لأطفالنا لنحميهم ونحمينا.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة