التمر والرصاص.. الخرطوم في قبضة الدعم السريع

كنت قد كتبت هذه السطور قبل يوم واحد مما بات يُعرف بليلة الغدر، التي فُض بعد فجْرها اعتصام القيادة العامة في العاصمة السودانية الخرطوم فضّا وحشيا: دماء تسيل وجثث تطفو في النيل. فسأوردها ههنا كما تداولتُها في حينها، ثم أعقبها بكلمات معدودات في الذكرى الثلاثين للانقلاب الذي أتى بالعسكر فيما يوافق الثلاثين من هذا الشهر.

 

في الطريق إلى ميدان الاعتصام ذاك اليوم، أدركني أذان المغرب وأنا في عربة أجرة صغيرة (ركشة) في أحد التقاطعات القريبة من الميدان، بانتظار أن تُفتح إشارة المرور فإذا بأحد جنود قوات "الدعم السريع" المنتشرة في أنحاء الخرطوم يُقبل ومعه التمر والماء. وددت وهو يطوف من عربة إلى أخرى أن يتحول ضوء الإشارة إلى الأخضر، أو أن يَنفد ما لديه قبل أن يصلنا؛ إذ لم أكن أظنني أفطر يومها، أو في أي يوم، على يد "جنجويد" فظائع دارفور وويلات اليمن. لكنه أدركنا فتناولت تمرةً أعجّل بها الفطر، ترددت في أكلها، لكني مضغتها ولم أكد أُسيغها.

 

غير أنه استوقفني حماس الرجل وفاجأتني بشاشته فقد رأيت القوم أول ما رأيتهم وهم يتمركزون حول القيادة العامة للجيش صبيحة سقوط رأس الدولة المخلوع، مدججين بالسلاح لا يردّون سلاما ولا يريدون كلاما، وكأنهم قد حلّوا من بُعد آخر. ولعلها سياسة اللين تارةً والشدة تارةً أخرى، وإن شئت، سياسة التمرة والطلقة. أعادني هذا إلى بداية الاعتصام في يوم السادس من أبريل قبل أن يظهر هؤلاء، إذ رأيت جنودا من الجيش يسقون الثائرات والثوار الماء عند أسوار القيادة، وأذكر أني أوجست منهم خيفة، كيف لا وقد كان الجيش عنوانا للنظام البائد، (البائد برموزه، الباقي إلى اليوم بمضمونه) لكن كما هو معلوم الآن فالجيش لم يكن يومها قلبا واحدا، ولا هو اليوم كذلك.

 

وهكذا سرى العصيان في الجيش من أسفل إلى أعلى لمّا صدر الأمر بسحق الثوار وانحاز من انحاز مِن الجنود والضباط من أمثال حامد "الجامد" لحمايتهم، حتى لم تجد الرتب العليا، والتي اصطنعها الرئيس السابق لنفسه، بُدا من التخلص من قائدها العام كي تبقى هي وما يمْكنها إنقاذه من "الإنقاذ". وقد بحث الباحثون في الثورات شرقا وغربا، حديثا وقديما، واستنطقوا تلك اللحظة الحبلى بالاحتمالات، والتي يَصدر فيها الأمر من أعلى هرم السلطة بسحق المتظاهرين، فخلُص مؤخرا جان بابتيست غالوبين والذي عمل في السابق في منظمة العفو الدولية في السودان إلى أن ما يحدد ما يفعله الجنود والضباط على الأرض وقتها ليس مدى تنظيم المؤسسة العسكرية وتماسكها بقدر ما هو تقدير الجندي أو الضابط لسير الأحداث من حوله واتجاهها، وتفاعله معها ومع ما يمليه وعيه وضميره.

 

إن انتشار قوات الدعم السريع في مفاصل العاصمة سببه عدم ثقة المجلس العسكري في الجيش مِن تحتهم، حتى أن هنالك أنباء عن أن الدعم السريع يتحكم في مدارج الطائرات المقاتلة وحتى المروحية منها. لكني أخال أن تلك القوات التي انتشرت في الخرطوم قبل عدة أسابيع، وكأنهم يأجوج ومأجوج، ليست هي ذات القوات المنتشرة اليوم، وقد خالطت الجيش والثوار والمارة وسِتّات الشاي والصائمين والرسّامين، مخالطةً من شأنها أن تغير شيئا فشيئا في طبيعة عناصرها.

 

ماذا لو تعاملت الثورة السلمية مع الدعم السريع تعاملاً مزدوجا: بالمواجهة والتحدي لقادته، لفرط استبدادهم، وبشيء من التروّي مع جنوده الذين من بينهم ضحايا واقع مرير؟ دون أن يعني هذا سكوتا على مَظلمة. وماذا لو عمدنا إلى فهم التكوين المجتمعي والأُسري لهذه المجموعات لمخاطبة أفرادها والتفاعل معهم كما يَحسُن أن يكون التفاعل؟ ولنا أسوة في الجهد الدؤوب والناجح في "أنسَنة" مقاتلي تنظيم الـ FARC في كولومبيا على سبيل المثال. وما كولومبيا منا ببعيد.

 

أوليس من المفيد في سعينا إلى الحكومة المدنية الرشيدة أن يرانا الجنجويد حين يروننا، أناسا، لا أهدافا محتملة لذخيرتهم؟ أمّا الآن وقد بتنا أهدافا فعلية لذخيرتهم، بأمر من ناصية للعسكر كاذبة خاطئة، فكما سقطت "أول" وسقطت "تاني" تسقط "تالت". إما حكومة مدنية -تكفل الحقوق- أو ثورة أبدية. وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

اندلاع الثورة بالسودان قد يلقي بظلاله على التوازن الاستراتيجي بمنطقة القرن الأفريقي، خاصة وأن إحدى مطالب الثورة هي إلغاء أو إعادة النظر في الاتفاقيات المبرمة مع دول أو جهات خارجية.

الأكثر قراءة