logo

‏من الرقة إلى الشمال المحرر.. سايكس بيكو ديموغرافي

‏مع مرور مائة عام على اتفاقية سايكس بيكو بتقسيم العالم العربي جغرافياً، أدرك ساسة الغرب وصناع قراره أن الاتفاق انتهت صلاحياته، وأنه لا بد من اتفاق جديد يضمن مصالحهم للمائة عام المقبلة، لاسيما مع الانتفاضة الشعبية العارمة للإطاحة بالاستبداد العربي، ودوله العميقة التي خلفها الاحتلال بعد رحيله عن العالم العربي، وظهر ذلك بحماية الاحتلال الأجنبي للاستبداد العربي في وجه الربيع العربي، وثوراته..

 

‏الإصرار الأميركي والروسي على تدمير المدن السنية، إن كان في العراق أو في سوريا، ليس له تفسير إلاّ الحرص على تغيير ديمغرافي، بعد أن فشل التغيير الجغرافي في كبح إرادة الشعوب وسلب قرارها، أو بعد انتهاء صلاحياته، ولهذا فقد جاء دور تدمير الموصل والرقة ودير الزور، ومعظم مدن الشام وحواضره، ووثّقت تقارير دولية السياسة الأميركية الممنهجة في تدمير المدن والبيوت وقتل الأهالي بشكل مخيف، إذ لا يزال بعض السكان تحت ركام بيوتها حتى الآن في الرقة ودير الزور والبوكمال، وهو ما أحدث موجات هجرة عن المدن السنية وجعلها أشباحاً وركاماً غير صالحة للسكنى، ومكّن بذلك الشيعة في العراق، والأكراد في سوريا، وحوّل القبائل العربية العريقة المنتشرة هناك بكثافة إلى تابع للعصابات الكردية في سوريا..

 

خزان الحضارة الإسلامية هو في هذا الهلال الخصيب الذي يضم دمشق وبغداد، اللتان استأثرتا بقيادة العالم الإسلامي لأكثر من ثمانمائة عام

‏أما في الشمال المحرر فقد واصل الاحتلال الروسي والإيراني دوره في تدمير كل ما يقف أمامه وحرقه وإبادته وعلى مدى ثماني سنوات، وسط صمت ومباركة عالمية مخيفة، فكان التدمير الرهيب في حمص والقصير وأرياف دمشق وحوران، وحلب، لينتقل الآن التخريب والتدمير إلى الشمال المحرر عبر استخدام كل ما تفتق عنه ذهن الاحتلال الروسي من استخدام أسلحة فتاكة لتدمير المدن السنية في خان شيخون ومعرة النعمان وكفرنبل وغيرها لهدف واحد وهو إرغام الأهالي على الرحيل، وبالتالي لن يجدوا يوماً بيوتاً يعيشون فيها، مما يحول الأغلبية السنية إلى أقلية، ويظل العالم كله يحكم الشام من خلال أقلية طائفية تتناغم معه في كل شيء..

 

‏أدركت الصحافية البريطانية ديبورا آموس مبكراً ذلك فوثقت ذلك في كتابها "أفول أهل السنة"، ووثقت معه حجم الجرائم التي ترتكب دولياً بحق الشام والعراق بتدمير مدنهم وتهجيرهم وتحويلهم إلى أقليات، لكن بالمقابل فإن خزان الحضارة الإسلامية هو في هذا الهلال الخصيب الذي يضم دمشق وبغداد، اللتان استأثرتا بقيادة العالم الإسلامي لأكثر من ثمانمائة عام، ويأتي الإصرار الشعبي في البلدين على مقاومة الاستبداد ومعه الاحتلالات المستقوي بها، ليؤكد أن هذه الشعوب ستنتصر كما انتصرت من قبل، وكما رحل من قبل محتلو الروم والفرس والمغول والتتار، وكما رحل الاحتلال المعاصر في القرن قبل الماضي عن المنطقة، سيرحل احتلال اليوم وتعود بغداد ودمشق إلى سابق عزهما، وسيرحل الاحتلال ويردد الأحرار ما قاله البردوني من قبل:

 

‏غداً سوف تلعنك الذكريات

‏ويلعن ماضيك مستقبلك

‏ويرتد آخرك المستكين

‏بآثامه يزدري أولك

 

‏فعلى قدر المقاومة والحلم تتسع الأرض، ذاك هو شعار الأحرار في الشام والعراق، وكما قال مالكوم إكس: "أقوى ما في الشجرة جذورها، حتى لو تعرّت الأغصان، ويبست الأوراق) …



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة