logo

فوضى الدراما الرمضانية

كلما اقترب شهر رمضان تأهب المعظم منّا لتحضير قائمة بأفضل المسلسلات التي يود مشاهدتها فيتابع الإعلانات؛ ليختار مسلسلاته بعناية فائقة مقتصرة على بطل المسلسل أو بطلته دون وعي وإدراك بالمضمون، ويكأنّ شهر العبادة الذي يغيب عامًا؛ لنستقبله بحب وشوق وعبادة، قد لُغي هدفه لدى البعض.

 

لا شكّ أنّ بعض المسلسلات القائمة – إن لم تكن جميعها- بحدّ ذاتها هي هدم لمبادئ وثوابت مجتمعية تربينا عليها قبل أن تتعلق بدين، (أيّامًا معدودات) الأصل فيها العبادة والطاعة والإخلاص والمساعدة نزعزع في هذه الأيام المباركة تربية رسخناها في عقول أبنائنا سنوات؛ وذلك بتركهم أمام الشاشات التي أصبحت شريكة لا دخيلة في التربية، فالأبناء مقلدون محترفون لكل ما يرونه ويَعجِب أهواءهم وعواطفهم غير الناضجة.

 

احترامنا لعادات وتقاليد وأعراف المجتمعات الغربية أو العربية الأخرى لا يعني أبدًا أن نتقبلها أو نتنازل ولو كان تنازلًا بسيطًا عن دين وخلق ثمّ عادات مجتمع

فقد أصبحت الخيانة الزوجية تُعرض وكأنها مقطع عابر لا نلقي له بالًا بأنّه من الممكن أن يتطور ليصبح ثقافة وحرية -لا قدّر الله- وتبريرات مصاحبة لكل خيانة تُعرض حتى يكون المشاهد متعاطفًا مع الخطأ ويطمس صواب فطرته فلا ننكر أننا نسمع دعوات من بعضنا بأن يتمّ الله أمور الخائنين وترافق هذه الدعوات دموع، فعاطفتنا سباقة لعقولنا والدراما هادفة وقاصدة لما تعرضه، ولم يقتصر الأمر على علاقات غرامية ومواعيد بالية بين الجنسين، بل أصبح تشكيل العصابات وحمل السلاح والقتل من أبرز ما يشاهده ويقلّده كبارنا وصغارنا حتى أصبح البعض يسمي فلذة كبده باسم رئيس العصابة ظنًّا منه أن يصبح قويًا أو بتفكير لا واعٍ بإعجابه بالبطل.

 

ليت الأمر اقتصر على سيجار ودخان فقد أصبحت كؤوس الخمرة والبيرة التي يرفضها مجتمعنا كأنها عصير لا يغيب عن سفرة وسهرة ببعض المسلسلات تتعالى وتتضارب ببعضها لتغرس سمّا جديدًا، ناهيك عن الألفاظ غير اللائقة التي يقلّدها أطفالنا بكلّ وقت. إنّ تقبلنا للأمر يعني أن نساعد بأنياب العادات غير السوية الشرسة بنهش مبادئنا واستباحة حرماتها والموافقة على طمس هويتنا، فتكرار متابعة المسلسلات التي تنافي أعرافنا وديننا تجعلنا نعتاد الشيء وكأنه حلال ومقبول ونصبح معقّدين ومتخلّفين لو اعترضنا على ما يتركه في بيوتنا، فاللباس الذي يظهر في المسلسلات الرمضانية يصبح موضة عصرية للعيد وتمتلئ الأسواق به ويصبح محطًّا للإعلانات التجارية لاستقطاب الزبائن وخاصة فئة المراهقين غير المدركين لخطورة ما نتعرض له.

 

إنّ الأمر شديد الخطورة فلم يعد هيّنًا أن أُخبر أطفالًا ومراهقين بعدم التنمر، وما يُعرض لهم ونشاهده معهم يحثّهم على التنمر فأغلب البرامج الكوميدية المعروضة في شهر رمضان الذي كُتب علينا فيه الصيام عن الأذى قبل الطعام هي تنمر على الآخرين بالفعل أو اللفظ وكأنَ الكوميديا لا تقوم إلا إذا تراقصنا على جروح الآخر وتعالت قهقهاتنا على أوجاعهم.

 

إنّ احترامنا لعادات وتقاليد وأعراف المجتمعات الغربية أو العربية الأخرى لا يعني أبدًا أن نتقبلها أو نتنازل ولو كان تنازلًا بسيطًا عن دين وخلق ثمّ عادات مجتمع، فما إن نتهاون بالأمر أكثر حتى نصبح أسيري هذه الأفكار، فكم علينا أن نتفق جميعًا بأن الاستعمار لا يكون بالوطن فحسب بل إنّ استعمار العقل أشد خطورة وأفتك سمًا. لقد اختلّت المثل العليا كثيرًا لدى أطفالنا وكبارنا فقيمة الحب أصبحت مقتصرة على ما يخالف عقيدتنا وقيمة الأسرة وترابطها اقتصر على كيفية هدمها وتدميرها لمجرد خلاف عائليّ.

 

لا ننكر أنّ لكلّ شخص في الحياة حريةً بما يختار من ملبس ومشرب ومكان عيش وبرامج يشاهدها مع أبنائه بما بتناسب وتربيته ودينه وعاداته ومجتمعه دون أن يغفل عن المتابعة والمراقبة المستمرة والنصائح المليئة بالحب والتحذير والترغيب والترهيب، وتثبيت غرس المبادئ مرّة بعد مرّة؛ كي لا تتأثر بعوامل خارجية، دون أن ينسى بأنه سيقف أمام الله وسيسأل عن رعيته فكلكم راعٍ ومسؤول عن رعيته وليس على أبنائه فقط بل على سمعه وبصره فقد قال تعالى (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ) الإسراء، 36 .



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة