بحر الصين الجنوبي.. لغز الصراع بين أمريكا والصين!

blogs بحر الصين الجنوبي

قامت مدمرتان أمريكيتان بعبور مضيق تايوان في بحر الصين الجنوبي أواخر إبريل الماضي، قبل أن تقوم مدمرة أخري في 20 من مايو الجاري بتهديد الأمن الحيوي الصيني، والعبور بالقرب من مجموعة من الجزر المتنازع عليها مع دول بحر الصين، يأتي ذلك التصعيد بالتزامن مع العقوبات الأمريكية على شركة هواوي التي منعت الشركات الأمريكية من التعامل معها، حيث أتت تلك العقوبات كورقة أخيرة بعد فشل الضغوط الأمريكية الرامية لمنع الدول الأوروبية من شراء معدات شبكات الجيل الخامس من شركة هواوي إثر اتهامها بالتجسس، ونجحت أمريكا في منع بيع معدات هواوي في أمريكا وكندا وأستراليا ونيوزلندا، إلا أن ألمانيا وفرنسا وإنجلترا قد صرحا بالدخول في مفاوضات لشراء تلك المعدات بدعوي عدم ثبوت تهمة التجسس على الشركة الصينية.

  

بداية العلاقات

بدأ الانفتاح الصيني على أمريكا عام 1971 بعد زيارة نيكسون للصين، في محاولة أمريكية لاستثمار الخلاف المستمر بين الحزبين الشيوعيين في روسيا والصين، والذي تسبب في دعم الإتحاد السوفيتي للهند ضد الصين إثر الخلاف الحدودي بينهما عام 1962، كما تطور الخلاف الحدودي بين الصين والإتحاد السوفيتي إلى صدام مسلح عام 1969، واتجهت حينها الصين للتقارب مع الغرب بعد أن سحبت الأمم المتحدة المقعد الدائم لمجلس الأمن من تايوان لصالح الصين، وبعدها تم التقارب تدريجيا حتى تطبيع العلاقات مع أمريكا عام 1979.

 

وبعد سقوط الإتحاد السوفيتي أوائل التسعينات والصعود الاقتصادي للصين، زادت وتيرة التوتر بين الصين وأمريكا والتي كان من أبرزها، حادثة تفتيش السفينة الصينية في 1993 بزعم تصدير مواد نووية لإيران، والقصف الأمريكي (الخاطئ!) للسفارة الصينية في بلغراد عام 1999، بالإضافة لحادثة تصادم الطائرة الأمريكية مع طائرة صينية في جزيرة هاينان الصينية عام 2001، تجاريا مالت كفة الميزان التجاري بين الصين وأمريكا لصالح الصين بفارق كبير، واتهمت إدارة جورج بوش الصين عام 2008، بتعمد خفض عملتها من أجل زيادة صادراتها.

 

الاستراتيجية الأمريكية لكبح جماح الصين

في عام 2010 غيرت إدارة أوباما من إستراتيجيتها في منطقة بحر الصين بغرض خلق نوع من التوازن مع الصين وقامت بمزيد من الإجراءات العسكرية، حيث زاد جنرالات البنتاجون من معدل التعاون العسكري مع أستراليا وقاموا باختيار موانئ مدن بريسبان وبيرث وداروين كقواعد بحرية لإيواء حاملات الطائرات الأمريكية المجهزة بالسلاح النووي لغلق المنافذ البحرية أمام الصين، وفي 2012 صرح وزير الدفاع الأمريكي بانيتا بأن أمريكا تنوي زيادة أسطولها البحري في منطقة غرب المحيط الهادي وشرق أسيا إلى 60 في المائة بحلول 2020، وتشمل الخطة الاحتفاظ بست حاملات طائرات وغواصات وطرادات ومدمرات وسفن قتالية ساحلية.

   

  

وفي نفس السياق زادت أمريكا من علاقاتها مع دول بحر الصين والمتنازعة مع الصين على بعض الجزر والثورات النفطية، فتم الاتفاق مع فيتنام لاستخدام 5 قواعد عسكرية لحماية الاستقرار في بحر الصين الجنوبي، لتنضم إلى القواعد العسكرية في كل من كوريا واليابان واستراليا وسنغافورة وتايلاند.

 

الخطة الصينية لمواجهة التهديد الأمريكي

أدركت الصين أن أمريكا تحاول تضييق الخناق على تجارتها كورقة ضغط للمساومة، مما يجعل سفنها عرضة للتهديد الأمريكي، حيث تمر معظم تجارة الصين من بحر الصين الجنوبي ومضيق ملقا، وسبق وأوقفت البحرية الأمريكية سفينة حاويات صينية للتفتيش عام 1993 بذريعة تصدير مواد نووية لإيران، مما يزيد من احتمالات تزايد المضايقات الأمريكية للتجارة الصينية مستقبلا في حالة نشبت أزمة بين البلدين، مما دفعها لتطبيق عدة إستراتيجيات وكان من أبرزها:

 

1- طريق الحرير

أطلقت الصين في 2013 مشروع الحزام والطريق (one belt one road)، وهو عبارة عن مشروع ضخم لربط 68 دولة في أسيا وأفريقيا وأوروبا، بطرق برية وسكك حديدية وخطوط ملاحة، والذي يهدف لربط الصين مع ثلثي سكان العالم بعيدا عن النفوذ الأمريكي، حيث قامت الصين بإطلاق أول قطار من شرق الصين إلى لندن في 2017، كما أعلنت الصين عن عدة مشاريع مكملة لطريق الحرير مثل:

قناة نيكارجوا التي تربط المحيط الهادئ بالمحيط الأطلنطي وتعد بديلا عن قناة بنما التي يسيطر عليها الجيش الأمريكي، والتي بدأ العمل فيها من 2016، إلا أن المشروع تم تعليقه لأسباب تمويلية.

الممر الشمالي الغربي وهو ممر موسمي بدأت الصين في الترويج له منذ 2016 كمنافس قوي لقناتي السويس وبنما، ويختصر الوقت والمسافة بين موانئ الصين وموانئ شمال أوروبا ويشهد زيادة مضطرده في عدد السفن المارة به.

قناة برزخ كرايسثموس في تايلاند (Thai Canal) والتي ستوفر 1200 كم من الملاحة وستعمل كممر بديل عن مضيق ملقا الذي يخضر عمليا للوصاية الأمريكية، إلا أن الانقلاب العسكري المدعوم أمريكيا في عام 2014، أتي بحكومة غير مرحبة بذلك المشروع، حيث أعلنت الحكومة التايلاندية في 2018 عن عدم تحمسها لذلك المشروع.

ممر التنمية الباكستاني والذي أعلن عنه عام 2015 لربط غرب الصين بميناء جوادر المطل على بحر العرب، وتم بالفعل تشييد طرق وسكك حديدية، ويتيح ذلك الممر ربط غرب الصين ببحر العرب القريب من الخليج العربي حيث مصادر الطاقة، كما يسمح بتصدير البضائع الصينية دون المرور ببحر الصين الجنوبي حيث الأساطيل الأمريكية.

   

   

2- استراتيجية اللؤلؤ

يعتمد المحور الثاني في الإستراتيجية الصينية، على الاستحواذ على سلسة موانئ في المحيط الهندي وما بعده لحماية خطوط التجارة الصينية، وقامت الصين عام 2017 بافتتاح قاعدة عسكرية لها في جيبوتي، كما قامت في 2018 ببناء قاعدة جيواني العسكرية لها في باكستان على بعد 500 كم من مضيق هرمز لتأمين وارداتها من الغاز والنفط الخليجيين، فضلا عن الاستحواذ على ميناء هامبانتوتا في سريلانكا مؤخرا، كما تعتمد استراتيجية الصين في تأمين الساحل الشرقي، على بناء عدة جزر صناعية في بحر الصين الجنوبي وبناء دفاعات عليها كمراكز متقدمة للدفاع عن الساحل الحيوي.

3- تأمين واردات الغاز والنفط

قامت الصين في عام 2009 بافتتاح خط لنقل الغاز من تركمنسان، كما قامت في نفس العام بافتتاح خط لنقل الغاز المسال من ساحل بورما إلى جنوب الصين، كما أعلنت روسيا عن بدء ضخ الغاز للصين أواخر عام 2019 ضمن مشروع لنقل خط الغاز الروسي للصين (قوة سيبريا) كما تم تمديد خط لنقل الغاز المسال من ميناء جوادر الباكستاني لغرب الصين، بالتزامن مع توقيع الصين مع قطر عقد لشراء الغاز المسال لمدة 22 عاما.

 

4- التعامل بالعملة المحلية

بعد تأمين إمدادات النفط والغاز، والبدء في إنشاء طرق تجارة بعيدة عن الأيادي الأمريكية، أعلنت الصين في 2018 عن إبرامها عقود لشراء النفط باليوان المغطى بالذهب، بالتوازي مع بدء التعامل بالعملية بين روسيا وكل من الصين تركيا والهند، في محاولة من عدة دول لكسر احتكار الدولار كعملة وحيدة للتجارة.

   undefined

  

كانت أمريكا منذ فك ارتباط الدولار بالذهب عام 1971 قد دأبت على طباعة المليارات من الدولارات بدون أي رقابة عالمية مما أدي لتصدير التضخم إلى العالم، بعد أن نجحت الضغوط الأمريكية في تحويل العالم لنظام البترودولار، الذي يلزم دول العالم على شراء النفط بالدولار حصرا.

 

وتدفع الإجراءات الصينية بالتوجه للتجارة باليوان المغطى بالذهب، إلى دخول المزيد من الدول إلى نادي اليوان الذهبي سعيا للخروج من هيمنة الدولار على التجارة العالمية، الأمر الذي ينذر بنهاية سيطرة الدولار على الاقتصاد العالمي، وحدوث موجة تضخم كبيرة في أمريكا حال العزوف عن الورقة الخضراء، وهو ما دفع إدارة ترامب مؤخرا لشن حرب تجارية عنيفة تلزم الصين بشراء الغاز الأمريكي المسال لتقليل العجز في الميزان التجاري، وإعادة هيبة الدولار مرة أخري.

 

الصين تهدد بإغراق حاملات الطائرات

نقلت صحيفة نيوزيلاند هيرالد عن العميد البحري بالجيش الصيني لو يوان مخاطبا المواطنين في مدينة شنتشن أن الخلافات المستمرة حول ملكية شرقي بحر الصين الجنوبي يمكن حلها من خلال إغراق اثنين من الحاملات الأميركية الضخمة، حيث صرح في خطابه الذي جاء في 20 ديسمبر بمناسبة قمة قائمة الصناعات العسكرية لعام 2018، وقال إن مجموعة الصواريخ الصينية الجديدة القوية فائقة القدرة الباليستية والمضادة للسفن قادرة على ضرب حاملاتي الطائرات الأميركية المرابضة غرب المحيط الهادي.

 

إلا أن تلك التهديدات لم تجد من الجيش الأمريكي إلا مزيدا من التحفز، وزادت السفن والمدمرات الأمريكية من الرحلات الاستفزازية بالقرب من الشواطئ الصينية، حيث قامت بـ4 عمليات ملاحية منذ بداية العام، في استخفاف بالتهديدات الصينية، ترى هل تتحول الحرب التجارية بين البلدين لحرب عسكرية، أم يفضل الطرفان حل الخلافات على طاولة المفاوضات؟



حول هذه القصة

مدونات - زيارة الرئيس الصيني إلى أوروبا

تدور مؤخرا تساؤلات عن مدى احتمالات المزيد من الانقسام بالاتحاد الأوروبي بسبب الصين؟، وعن إمكانية نشوب حرب تجارية أوروبية صينية إذا لم يتحقق الوصول المتبادل للأسواق والاستفادة المتوازنة بين الجانبين؟!

blog by محمد مهدي عبد النبي
Published On 2/4/2019
blogs طريق الحرير الجديد

كل الطرق كانت تؤدي إلى روما أما اليوم فهي تؤدي إلى بكين. وبعدما كانت القرارات تصنع في باريس ولندن وبرلين وروما، الآن ستصنع في بكين وموسكو ودلهي وطهران وأنقرة.

blog by إبراهيم عرب
Published On 14/5/2019
Guided-missile destroyer USS Decatur (DDG 73) operates in the South China Sea as part of the Bonhomme Richard Expeditionary Strike Group (ESG) in the South China Sea on October 13, 2016. Picture taken on October 13, 2016. Courtesy Diana Quinlan/U.S. Navy/Handout via REUTERS ATTENTION EDITORS - THIS IMAGE WAS PROVIDED BY A THIRD PARTY. EDITORIAL USE ONLY TPX IMAGES OF THE DAY

يجب على الصين والفلبين التوافق على ضرورة الحفاظ على الأنشطة البحرية لتجنب التوتر، يجب أن تدار عملية الصيد في بحر الفلبين بعناية وبذل جهود مشتركة لمواجهة تجارة المخدرات والتهريب والفساد

blog by فيدل راموس
Published On 26/10/2016
blogs حاملة طائرات صينية

مع إعلان الصين عن جملة من المشاريع في بحر الصين الجنوبي تمتد لعام2030، تشتعل حدة الصراع مع الولايات المتحدة التي تهدف للحد من توغل الصين بحجة “حماية حرية الملاحة البحرية”.

blog by محمد مهدي عبد النبي
Published On 22/1/2019
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة