هل تمثل وفاة الرئيس محمد مرسي نهاية الإسلام الديمقراطي؟!

BLOGS مرسي

يمثل حدث وفاة الرئيس المصري السابق محمد مرسي حدثا مفصليّا في تاريخ الحركة الإسلامية المصرية باعتباره سيدفع الحركة لإعادة النظر في طبيعة علاقتها بالسلطة والمجتمع في مصر وأيضا لإعادة النظر في الطرق والأساليب المعتمدة في الممارسة السياسية ومدى قدرتها على تحقيق الأهداف المنشودة. لقد تبنى الإسلاميون عموما بعد الثورات العربية المعاصرة في القرن الحادي والعشرين منهجا يعتمد على السلمية في التداول على السلطة أي تبنى الخيار الديمقراطي كخيار جوهري في التغيير المنشود للمجتمعات العربية نحو الغد الأفضل ولم يعد ينظر للديمقراطية كديانة كفرية كما يروج لذلك الخطاب السلفي بل ينظر لها كأداة فعالة في الحكم تمكن المجتمع من التحرر من الطغيان وتأسس للحرية والكرامة الإنسانية داخل الفضاء العربي تجاوزا لعصور مغرقة في الظلم والاستبداد منذ الفترة ما قبل الاستعمارية إلى يوم الناس هذا.

لقد اختار الإسلاميين في مصر وتونس والمغرب الديمقراطية بمحض إرادتهم ودون إكراه أو إجبار من أحد وتم تبنيها في كافة مؤتمرات الحركات الإسلامية كخيار استراتيجي مما دفع الدوائر العلمية والأكاديمية لنحت مصطلح جديد يعوض مصطلح الإسلام السياسي وهو مصطلح الإسلام الديمقراطي -الإسلام الديمقراطي المدني لـ شيريل بينارد الصادر عن مؤسسة راند الأمريكية مثلا- ولكن اليوم وبوفاة الرئيس المصري السابق محمد مرسي هل لا يزال الحديث عن الإسلام الديمقراطي ممكنا؟ منذ استقلال مصر مع ثورة 1952 اختار الإسلاميين في مصر أن يكونوا شركاء في الحكم طبقا لقواعد الدولة الحديثة التي تبنتها مصر منذ ثورة 1919 فكان هناك أحزاب سياسية تتنافس على البرلمان المصري وتتداول سلميا فيما بينها على السلطة ولكن الحدث المفصلى في تاريخ مصر المعاصر هو الانقلاب على محمد نجيب أول رئيس بعد الثورة المصرية وسيطرة العسكر منذ تلك اللحظة على الحياة السياسية والاقتصادية في مصر وقد تراوح حكمهم بين التقييد الكلي لكل نشاط سياسي وبين الانفتاح على ذلك النشاط وكانت علاقتهم بالإسلاميين تتراوح بين السجن والتنكيل حينا والانفتاح عليهم أحيانا أخرى وغلب عليها غض النظر خاصة في عهد السادات ومبارك فسمح لهم بالممارسة ولكن دون إقرار قانوني.

الخيار السلمي خيارا استراتجيا للإسلاميين بكل أجيالهم ولذلك ليس من مصلحتهم اليوم ورغم جلالة حدث الموت أن يحيدوا عن هذا الخيار بل إن حدث الموت رغم قسوته يجب أن يكون دافعا أكبر نحو التمسك بالسلمية

ثم كانت ثورة 25 يناير 2011 والتي كان الهدف منها تغيير وجه مصر نحو بناء دولة ديمقراطية عصرية لكل فيها حظ يكون انتقال السلطة فيها طبق مبدأ التداول السلمي عبر الاقتراع المباشر من الشعب ووضع دستور جديد يكرس هذه الأسس ويحد من سلطة العسكر والأمن ويرجعهما للدور الحقيقي وهو حماية المجتمع والدولة من الانحراف والعدوان الخارجي. وقد أفرزت نتائج الانتخابات فوز الإسلاميين بأغلب مقاعد البرلمان وبالرئاسة المصرية وإن كان فوزهم البرلمان مقبولا إلى حد ما لدى الأطراف الداخلية والخارجية إلا حصولهم على الرئاسة لم يكن مقبولا في كل الأحوال وقد نصح الإسلاميين المصريين بعدم الترشح لها ولكنهم رفضوا الاستماع للناصحين. وكان قرار تغيير القيادة العسكرية المصرية أخطر قرارات الإسلاميين والذي أدى إلى النهاية المأساوية لحكمهم في صيف 2013.

لقد كانت فترة حكم مرسي القصيرة وبشهادة الجميع فترة ممارسة للحرية في الإعلام والصحافة والفنون ولعل برنامج البرنامج لباسم يوسف أكبر دليل على ذلك وهو البرنامج الذي منع بعد شهور قليلة من الانقلاب العسكري. كان الإسلاميون مقتنعين تماما أن الديمقراطية في مصلحتهم وأنهم ليسوا بحاجة للعنف للوصول إلى السلطة وكان لهم الاستعداد للمشاركة مع غيرهم في الحكم مثلما حصل في تونس والمغرب ولكن بعد الأحداث المأساوية في رابعة والنهضة والتنكيل المفرط الذي تمارسه الدولة المصرية ضد مواطنيها الإسلاميين والذي وصل لحد منع العلاج عن الرئيس السابق محمد مرسي حتى الوفاة مما يتعارض مع كل القوانين والتشريعات السماوية والأرضية. هل يمكن بعد كل هذا إقناع الأجيال الجديدة من الإسلاميين التي تعيش هذه المحنة أن خيار الإسلام الديمقراطي لا يزال قائما؟

يبدو أنه ليس من السهل إقناع هؤلاء الشباب بسلامة الخيار الديمقراطي ونجاعته في تحقيق نهضة المجتمع وتطوره نحو الأفضل وهم يشاهدون كيف تتكالب دول عربية عدة وتحاول بكل ما لها من قوة ومال مدعومة من بعض القوى الخارجية ضرب كل نفس تحرري داخل المجتمعات العربية بل وتحاول بالمال الفاسد الانقلاب على الديمقراطية بالديمقراطية ذاتها مثلما يحدث في تونس وكأنها تريد استنساخ تجربة النازيين في ألمانيا في ثلاثينات القرن الماضي. إن ما يحدث الآن في السودان من محاولة للإجهاض على الثورة السودانية وما يحدث في ليبيا عبر حفتر والأموال التي توزع في تونس يمينا ويسارا إنما هدفهم واحد وهو إجهاض كل إمكانية لقيام دولة ديمقراطية في العالم العربي ومنع كل سبيل للتحرر والتقدم. ولكن هل يمكن للعنف أن يكون حلا؟ إن العنف ومهما كانت مبرراته ليس حلا لأي مشكل بل هو تعقيد له بل في حضوره تنتهي كل إمكانية للحل. ولذلك يبدو أن الخيار السلمي هو الخيار الوحيد الفاعل والمؤثر حقيقة وفعلا في تحقيق التغيير المنشود ولعل تجربة المهاتما غاندي في الهند أكبر دليل على ذلك فرغم كل التنكيل الذي مارسته انجلترا وأعوانها في الهند انتصر الشعب الهندي باللاعنف.

إن الخيار السلمي خيارا استراتجيا للإسلاميين بكل أجيالهم ولذلك ليس من مصلحتهم اليوم ورغم جلالة حدث الموت أن يحيدوا عن هذا الخيار بل إن حدث الموت رغم قسوته يجب أن يكون دافعا أكبر نحو التمسك بالسلمية ونبذ كل أشكال العنف لأن في ذلك رسالة للجميع داخلا وخارجا أن الحديث عن الديمقراطية ليس مجرد خطاب أجوف للاستهلاك بل خيار استراتيجي ينظر للغد مهما كانت مصاعب اليوم. وأن هذا الخيار لا يخدم الإسلاميين فقط بل يخدم حتى منافسيهم الذي كان لهم قصر نظر في مصر فتحالفوا مع العسكر ضد الإسلاميين وبعد مدة أدركوا أنهم كما تقول الحكاية أكلوا يوم أكل الثور الأسود. لقد أخطأ منافسو التيار الإسلامي المصري التقدير حين وضعوا أيديهم مع العسكر للانقلاب على الديمقراطية المصرية الناشئة طمعا في أن تسلم لهم السلطة عب الدبابات لا إرادة الشعب الحرة والنتيجة أنهم خسروا وخسرت مصر في حين كان هناك طرق أخر سلمية وديمقراطية يمكن بها حل الخلاف مثل الانتخابات المبكرة. والآن وبعد فوات الأوان أدرك الجميع فداحة الخطأ الذي وقعوا فيه خاصة بعد تصفية النظام العسكري لكل خصومه السياسيين وإخلاء الساحة لأتباعه فقط.

لن تكون وفاة الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي دافعا للتخلي عن السلمية في الممارسة السياسية من قبل الإسلاميين في مصر وغيرها بل لعل الوفاء لروحه الطاهرة يفترض التمسك بالسلمية حتى أخر رمق في الحياة فلا يمكن للمؤمن الصادق برسالته الإنسانية إلا أن يون ممن يحيها لا ممن يقتلها.
لذلك على قيادات التيار الإسلامي المصري أن تتمسك بخيارها السلمي للنهاية ومهما كانت سطوة الاستبداد. فالوفاء لروح الدكتور محمد مرسي لا يكون إلا بتأكيد هذه القيم والتمسك بها فهي وحدها القادرة على مقاومة كل أشكال الاستبداد والطغيان ولو بعد حين.