في زمن البيع والشراء.. ماذا بقي لنا؟

كل شيء يُباع في هذا الواقع البئيس، الضمائرُ تُباع، الذّمم تُباع، الوظائف تُباع، حتى الشعوب استُرخِصتْ قيمتُها ودخلتْ غمار المزاد العلني كأيّة سلعة من السلع، إنها لدوّامة كبيرة تلك التي يعيشها الإنسان المغلوب على أمره، لا حول له ولا قوة، وإنه لألمٌ مريرٌ مرارة العلقم ما يتجرعه أولئك الذين يقاتلون في سبيل لقمةِ العيش دون أن يظفرُوا ولو بلقمةٍ واحدة، بعد أن ينهبَ الجبابرةُ كل الرغيف، وإنه لإحباط قاتلٌ أن تجدَ نفسكَ على أرضكَ التي سالت في سبيل طهارتها دماءُ أجدادكَ أنهاراً جارية، واقفاً دونما مأوى تتأمل الظالمين المتخاذلين وهم يتمتّعون بخيراتها، وإنه لأمرٌ محزنٌ أن تتكلم ألسنتهم الكاذبة أمامك بإنجازاتهم وقدراتهم الواهية، وأنتَ تعلم علم اليقين والكل يعلم أنّهم حفاةُ العلم والدين ما وصلوا إلا بواسطة، ووصولهم ما كان ليكون لولا تحريك الجيوب وتوجيه الصُّحف.

وإنه لموتٌ حقيقي بكل ما تحمله الكلمة من معنى، أن تطرقَ يدُك المغلولة كلَّ الأبواب دون أن تجدَ من يفتح لها الباب، وكأنّك غريب على البيت لم تتنفس رأتاكَ من هوائهِ يوم قذفتكَ الحياةُ إلى هذا الوجود، وكأنّكَ لم تُغنّ في يوم من الأيام لعصافيرهِ المرفرفةِ في السطح ولمياههِ المتدفّقة من جدرانه الصماء، وكأن قلبَكَ هذا المتألمَ لم يحزن يوماً لحُزنِه، ولم تصبهُ بشاشة السعادةِ حين سَمعَ الخيرَ يأتي بجنبه، وكأنَّ حنجرتكَ لم تهتفْ يوماً له حتى ردَّت صداها الجبال، لا لشيءٍ سوى لرابطِ الانتماءِ المقدس المقهور، حتى إذا أدرتَ ظهركَ عائداً مطروداً من بيتكَ والدّمعة تسيل على خدك، وجدتَ أولئكَ الذين يتحكّمون في الأقدار حاملين المفاتيحَ في أيديهم يلجونَ البيت وهو يتبسّمُون.

كم هي دَقَّة الزمن بطيئة حين تبحثُ في لحظتها الميّتة عن معنى للحياة في زمنٍ أصبحت فيه صفاتُ الأشياءِ ومعانِيها قابلةً للبيع والشراء، ففقدتْ تلك السّمة المقدسة التي تميزُها وتُعلي شأنَها

وليعلم أولئك الذين يصنعونَ الحياة ويقتسمونها بينهم كما يقتسمون الحلوى، أنهم يزرعون بذلك الموت الذي يُدفنُ ليلاً دون طقوسٍ للدفن، لا يسمعون أنينَ المآتم الملحّفة بالسّواد وصخَبُ موسيقاهم يَهزّ أرجاء السماء، وليعلم أولئك الذين يتبادلون باقات الزهور بينهم ويشربون نخب منصبٍ ورثوهُ أو ابنٍ وظّفوهُ أنهم يزرعون بذلك الشوك في قلوبٍ طرقتْ باب البيت الأصلي فلم يسمع لطلبِها أحد، بل وجدتْ فيه غرباءَ سيطرُوا على كل عواميده وطالبوا أصحابَه بإثبات الهويّة، وليعلم هؤلاء أن شوك الوردِ الذي ينمو في القفارِ وبين شقوقِ الأحجار في البلاد النائية المنسية، قد تذروهُ الرياح فتبعث به إليهم في يومٍ عاصف، وبدلَ أن يفيحَ عطرُه يوجع وخزُه.  

كل شيءٍ يُباع في هذا الواقع البئيس، الدين يُباع، المبادئ تباع، الوظائف تباع، حتى الأحلام التي لا يُسمعُ دبيبُها تُقهرُ بعقوباتٍ ثقيلة قد تصل حدّ الحرمان من الأمل، والخوفُ كل الخوف أنْ يبيد الإنسان على هذا الحال فلا يبقى سوى الجماد على هيئة إنسان، والخوفُ أنْ تَفنى ابتسامتُه البريئة فلا تجد سوى نظراتِ المكرِ والخداعِ لا تُطيقها الأرضُ الرحبة ولا يَتَحمَّلها الوجودُ فيستسلمُ للفنَاء، حتى إذا صرختَ ملءَ السماء والأرض ماذا بقيَ لنا؟ أجابكَ الفتاتُ يَصرخُ بنفس ما تصرخُ به.

كم هي دَقَّة الزمن بطيئة حين تبحثُ في لحظتها الميّتة عن معنى للحياة في زمنٍ أصبحت فيه صفاتُ الأشياءِ ومعانِيها قابلةً للبيع والشراء، ففقدتْ تلك السّمة المقدسة التي تميزُها وتُعلي شأنَها، بل وتجرّدتْ من سرها الكامن في طَبيعتها تماماً مثلَما يتجرَّدُ القمرُ من ضيائِه والشمسُ من شعاعِها، وحينَ تفتّش عن حقّك الذي وجودُك هنَا في حدّ ذاتِه اعترافٌ به وتوقيرٌ له، فلا تجدُ سوى السراب، وتبحثُ في هذا السرابِ نفسه محاولاً أن تفكَّ طلاسِمه المعقّدة فيخرج في وجهكَ فجأةً أولئكَ الذين يَملكونَ مفاتيح البيتِ يبتسمُون لك ابتسامَتَهُم المتشفّية.

لا عزاءَ للإنسان وهذا الواقعُ يغرسُ مخالبَه في عُروقه سوى انتظار الفرج، وفي هذا الانتظار ألمٌ فظيعٌ وطاقة كبيرة تُهدَر، وفي هذا الهدرِ إسرافٌ مقيتٌ لا يُغتَفر، فلو أن الطاقات جُمّعت وأُحسن التعامل معها لأُضيئتِ الأرضُ من أناملها، ولكنَّ  الطّمع وحُبّ الامتلاك لا يبرحانِ يجتثّان ما في باطنِ الأرض من نفائسَ، وما على سطحِها من خيرات، فماذا بقي لنا؟  



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

غياب الوعي السياسي العميق لدى فئات كبيرة من الشعوب العربية وانخفاض نسب التعليم وهو عامل ساهم في تكلس العقول واستعداؤها للفكرة والمنطق والانكفاء على الذات وعجز الإرادة وإصابتها بالوهن النفسي.

الأكثر قراءة