تغيير قناعات الآخرين أصعب مما نتخيل

blogs حوار

لا شك أن اختلاف الناس في أطباعهم وأفكاهم وقناعاتهم سُنّة كونية، والعقلاء وحدهم من يُدْركون ذلك ويوطّنون حياتهم وعيشهم على ما تقتضيه تلك السُنّة، وأما غيرهم فقد وقعوا في شقاء طويل، والسبب أنهم توهموا "أن الأصل في الحياة هو التوافق والتشابه والتناغم"، فكلما صادفوا أناساَ يختلفون عنهم أو معهم في أمور، صار دأَبَهَمْ الوصول إلى التفاهم والتوافق التّام، وأنّى لهم ذلك!. والأسوأ من ذلك حين إعتقدوا أن تغيير القناعات أمر يسير، فالكثير منهم رتّب حياته المستقبليّة على أمل التغيير مع الوقت، ولمّا لم يحصل لهم ذلك صُدموا وانْتَكسَتْ حياتهم، لأنهم طلبوا ما لا يُدْرك فصرفوا أوقاتهم وطاقاتهم في محاولات تغيير قناعات الآخرين، جاهلين سُنّة الاختلاف بين الناس واستحالة تطابقهم. فما كان منهم إلا أن تَركوا الناس وعاشوا في عزلة بئيسة منغلقين على ذواتهم وحياتهم في أضيق نطاق.

توسّم أخطاء الآخرين منقبة ولكن

القدرة على توسّم أخطاء الآخرين هو "منقبة تُحْمد" وتعد من علامات الوعي العالي في الشخصية ولكن بشرطين؛ الأول: إذا كانت النفس خالية من ذلك العيب أو تجاهد نفسها في سبيل ذلك، والثاني: إذا لم تقصد الفعل لذاته أي "النظر في معايب الناس" فقط لمجرد المتعة والتسْلية، وأما ما يَتْبَعُ ذلك من محاولة تقديم النُصْح للآخرين فهو أيضاً من تمام الشعور بالمسؤولية تجاه الأخرين، ولكنّ الخطأ الفادح يكون في ردة فعل الناصح حين يتم تجاهله أو رفض نصيحته، فينتابه الشعور بالضيق واللجوء للجدال وإشغال النفس لإقناع الآخرين وجمع الحجج والأدلة على ذلك. لا شك أن هذا عملٌ تضيع به الأوقات وتذهب به النفس حسرات، لأن محاولة تغيير قناعات الناس ليس بالأمر الهيّن كما يُخيّيل للبعض، ناهيك عن عوامل أخرى مثل الكبر والعناد والهوى، ثم إنه من الأولى في النصح والرعاية "نفسي" ولا يضرني "غيري"، فقد قال عز من قائل (أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) (سورة المائدة 105). ومن يجد في نفسه شيئاً من انشغال زائد ونحوه تجاه غيره فليراجع أولوياته.

القناعات أعمق مما نتخيل
علينا تعويد أنفسنا على الاختلاف. فإن الكثير من الأفكار لا يمكن مسْحها بل يمكن التعايش معها أو الوصول إلى نقطة إلتقاء في أقل تقدير

يُعرّف د. طارق سويدان القناعة: "هي نمط تفكير متأصل، يحكم التصور والسلوك"، فهي فرضيات ثابتة وعميقة في النفس بها تفسّر وتحلّل العالم والأحداث من حولها، فتغيير تلك القناعات ليس بالأمر الميْسور، وليس "كبسة زر" أو بمجرد أن أقول: يا فلان الطريق من هنا؛ سيستجيب، أو أن الفكرة كذا وكذا؛ ينتهي الأمر. وقديماً قيل: أن تُرزق الصّواب فهذا رِزْق عظيم، أما أن يتابعك عليه الناس فذلك رِزق آخر"، فمن الممكن أن لا يُقّدر لك فلا تُرزقه، فحدوث تغيير آني وفوري جراء نصيحة ما أو خطبة هو ضرب من الخيال المحض.

اشتراط القبول مع النصح

كم أقعدت الغفلة عن هذا المعنى البسيط من ساعٍ للخير في بيته أو مسجده أو ربما مصلح معروف أو داعية مشهور، والتفّ اليأس حوله حتى اقتنع أنْ لا أمل من فعله أو نصْحِه أو دعوته، ذلك لأنه اشترط مسبقاً مع "النصح"؛ "قبول الآخرين لنصحه" والأخذ بكلامه، ولما قرن بينهما رأى أن عدم استجابة الناس له معناه أنه لا فائدة ترتجى من من فعله، وما ذلك إلا إنحراف للنيّة والقصد منذ البداية، وشيء من حظ النفس والهوى، فتعليق صلاح العمل بإستجابة الناس وإتباعهم أمر خارج عن العقل والدّين، قال ابن حزم في رسائله: "لا تنصح على شرط القبول منك، فإن تعديت هذه الوجوه، فأنت ظالم لا ناصح، وطالب طاعة لا مؤدي حق ديانة وأخوة".

التريث سنة كونية

فالصبر والتريّث على بعض الأمور من طبائع الأشياء ولوازمها، وليس فقط في تغيير قناعات الأخرين، ومن ذلك دعوة النبيّ صلى الله عليه وسلم ومكوثه في مكة ثلاثة عشر عاماً يدعو للإسلام، ويكافح قناعات الجاهلية وأفكار الآباء والأجداد، فلم يؤمن معه إلا مئة وخمسون شخصاً رضي الله عنهم، فما لبث أنْ دانت له الجزيرة بأكملها وخضت. وليس أدلُّ على هذه السنة الكونية "التريث"، مِنْ "خلق الله تعالى للكون العظيم في ستة أيام" وهو القادر سبحانه على خلقه في لمحة من البصر، قال جلّ ثناؤه: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)(سورة يس، الآية 82)، فاستنبط العلماء من هذا بعض الحِكم على رأسها التريّث وعدم العجلة، وإتقان الأعمال وتجويدها ما أمكن.

أخيراً، فالاختلاف في القناعات ووجهات النظر أمر يحتاج أن يُدْركه كل عاقل في هذه الحياة ويعرف التصرف والتعامل مع الآخرين بإعتبار وجوده، وعلينا تعويد أنفسنا على الاختلاف. فإن الكثير من الأفكار لا يمكن مسْحها بل يمكن التعايش معها أو الوصول إلى نقطة إلتقاء في أقل تقدير، وأن نعلم أن الكثير من حُكْمِنَا على الأشياء من وجهة نظرنا وعالمنا فقط هو حكم خاطئ، وسعة الصّدر لا تأتي إلا بكثرة المخالطة وكثرة المطالعة، وكثير من ضيق الصدر يأتي من تمركزنا حول أنفسنا وعاداتنا واهتماماتنا.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة