شعار قسم مدونات

الفهم ركن الزواج الناجح

blogs زواج

إن كان الناس قد أكثروا عن الحوار وأهميته، ومدى تأثير التواصل المباشر على العلاقات الإنسانية، فإن القليل منهم تكلم عن الصمت وأهميته، ومدى فاعليته، فالتواصل هو الآلية التي توجد فيها العلاقات الإنسانية وتنمو، ولا سيما علاقة الزواج. التواصل هو تأثير عقل على عقل، وفكر على فكر، ومبادئ على مبادئ. والتواصل عملية لا يمكن لها أن تتوقف؛ فهي عملية مستمرة ومتغيرة، وتتأثر بالبيئة والمزاج، والحالات الإنسانية المختلفة. وإن مما يلاحظ أن كثيراً من الأزواج تنحصر معاني التواصل المباشر عندهم في الكلام عن الأولاد وتربيتهم، وتعلمنا جميعاً في منطقتنا العربية ألا نتكلم عن مشاعرنا أو ما نعانيه أو حتى ما نحس به من فرح وسرو، أو حزن وألم، وفي الحديث: "إذا أحب أحدكم أخاه فليعلمه".

عجيب أن تكون الشريعة والفطرة والعقل يدعو إلى التصريح بالمشاعر الجياشة، وتمنعها عادات وتقاليد هي أقرب إلى الحواجز والعقبات، منها إلى الحماية والصيانة، فما العيب في تواصل زوج وزوجة عن مشاعرهما ومما يشعران بهما ويحسان؟ فقد تربى بعض الرجال على أن البكاء من شيم النساء أو الضعاف، وأن التصريح بمحبة الزوجة والثناء عليها مما يسقط هيبته في قلبها، ومكانته في نفسها. وأن تصريح المرأة بهذا وتخفيف معاناة الزوج من أسباب استعلاء الزوج على زوجته، فيجب عليها -في ظن هؤلاء المساكين- أن تقسو وتجافي ولا تترك له مساحة حتى لا يسيطر عليها. مفاهيم خاطئة، وتفسيرات مغيبة، ومبادئ ليست واعية.

لإنسان الصامت كالمتكلم تماماً من حيث أنه يتواصل مع من معه أو حوله. والحق أن الشخص لا يمكن أن يتكلم بدون توقف، إذ لابد له من لحظات لالتقاء الأنفاس، والاستماع للآخرين

فما هو الحوار الذي يدور بين الزوجين عن نفسيهما، عن مشاعرهما، عن احتياجاتهما؟ يحتاج كل زوجين للإجابة على هذا السؤال معاً، أي: يجب أن يجيب عليه كلا الزوجين. ما هو التواصل الإنساني بينهما عما يشعران به أو حتى عن قضايا عامة تخص البلاد أو المجتمعات أو الأخبار أو غيرها؟ ضاق الأفق فضاق معه الصدر، عجزت الهمم فعجزت معها الكلمات، فقدوا الحوار ففقدوا تبعًا له التواصل، ففقدوا الهدف من بقائهما معًا، فانشغل بنفسه، وانشغلت بنفسها، فلا عجب أن يكون فقدُ التواصل سبباً في ضياع الألفة، أو غياب المودة. ويحسن هنا أن أنقل لكم هذه الصدمة المفاجئة، والعبارة الرائقة: "إن التواصل ليس فقط كلاماً وحواراً، بل هو أكبر وأشمل من مجرد الكلام المشترك، والحوار المباشر".

قد يصمت الزوجان لكن يتواصلان، لكن أكثر الناس لا يعلمون. فنعود وندور ونلف حول معنى الفهم، فإن الفهم يؤدي إلى القبول، وقد يؤدي في علاقة الزواج إلى الرضا بالطرف الآخر وتفهم سلوكياته ومقاصده، وعدم محاولة تغييره على الدوام ليصبح نسخة طبق الأصل من شريكه. ونتيجة لما سبق نستطيع أن نقول: إن الشخص القادر على التواصل مع الناس هو شخص يفهم الآخرين، ويفسر نفسه للآخرين حتى يفهموه. وينبغي أن نلفت الانتباه إلى أنَّ كثيراً من الناس يَعُدُّون الصمت مؤشر ضعف في كثير من الأحيان، أو مؤشر احتقار وازدراء وعدم محبة، ورغبة في الانفصال، وليس أدلّ على ذلك من أنَّ الصامتين في أي اجتماع عائلي أو تربوي أو ثقافي ما يُنظر إليهم عادة باعتبارهم إما مستكبرين مستعليين، أو أنهم ليسوا على مستوى هذا الحوار لضعف قدراتهم الثقافية والاجتماعية. ولكن هذا التحليل أو الفهم هو سوء تقدير، وعدم وعي من صاحبه، بل هو في حقيقته سوء فهمٍ لطبيعة العلاقات الإنسانية.

فالإنسان الصامت كالمتكلم تماماً من حيث أنه يتواصل مع من معه أو حوله. والحق أن الشخص لا يمكن أن يتكلم بدون توقف، إذ لابد له من لحظات لالتقاء الأنفاس، والاستماع للآخرين، وفهم مدلولات عباراتهم، والنظر في مقاصدهم، والتعرف عليهم، فلا يمكن أن يتكلم شخص وكأنه يكلم نفسه، ويتعامل مع أشخاص ليس لهم أي ردة فعل تجاه ما يقوله، فالتواصل بين البشر طريق ذات اتجاهين، لا تصلح أن تكون اتجاهاً واحداً. فإذا كان أحد ركني التواصل بين الناس هو الحوار والكلام والاحتكاك بالآخرين، فإن الركن الآخر هو الصمت والسكوت، لأن الناس لا يتحدثون بصفة غير منقطعة، بل تتخلل حديثهم وقفات يفكرون خلالها فيما سوف يقولون، كما يقومون فيها بصياغة عباراتهم واختيار ألفاظهم، أو قد يصمتون قراراً واختياراً إذا رغبوا في ذلك وأرادوه، أو رأوا أنه الأنسب في هذه الحالات.