لماذا تحب الجيوش العربية نظرية "الأخ الأكبر"؟

BLOGS الأخ الأكبر

في 25 يونيو 1903 وفي إقليم موتيهاري شمال شرق الهند الخاضعة للاحتلال آنذاك، ولد من أبوين بريطانيين الطفل (إريك آرثر بلير) الذي كبر وأصبح ذلك الكاتب والروائي المعروف باسم (جورج أرويل) الذي لمع نجمه في سماء الأدب العالمي بمجموعة من أعماله العبقرية التي تمزج بين المرارة والفكاهة والتكهن، أعمالٌ أدبيةٌ أسست كذلك لنظريات جديدة ومصطلحات أصبحت مبصومة باسمه إلى الآن حتى استحق أن يُصنف مع أعظم الكتاب البريطانيين في القرن العشرين. في عامه السادس والأربعين، أصدر هذا الشخص روايته العالمية (1984) التي حققت مبيعات قياسية، هذه الراوية من نوع الأدب الديستوبي -أو ما يعرف بأدب المدينة الفاسدة- وهو نوع من الفانتازيا الأدبية السوداء التي تكرس لنموذج معين من مدينة أو مجتمع أو زمكان ما مليء بكل ما هو سيء من كآبة وفساد وخراب على سبيل التكهن أو النقد أوحتى السخرية. وقد أصبحت راوية 1984 النموذج الحي لهذا النوع الكتابي.

تدور أحداث الرواية في مقاطعة تدعى (أوشينيا) بدولة (إير ستريب 1) الخيالية، هذه الدولة الخاضعة لديكتاتورية شمولية تمسك بزمام الأمور بيد من حديد، حيث نظام الحزب الواحد هو المسيطر على كل شيء، يمارس القمع، يضطهد الشعب، يقتل المعارضين، يرسم خط حياة المواطنين على هواه ويكرس لسياسة النمطية المجتمعية والحزب الواحد الفكري. في خضم هذه الظروف يقضي البطل (وينستون سميث) وقته كموظف كاتب مقالات تاريخية في وزارة الحقيقة لفائدة الحزب الحاكم، لكنه يستيقظ يوما ليراجع نفسه ويشرع في البحث عن الحقيقة التاريخية التي تخفيها السلطة وحزبها، لتعتقله شرطة الفكر التي أسستها السلطات لتعاقب كل انسان يفكر خارج بوتقة النظام الحكام. بالرغم من الطابع الخيالي المفرط لهذا العمل الأدبي ورائحة التراجيديا القوية التي يشمها القارئ في صفحات الرواية، إلا أنها حملت في بواطنها نقدا لاذعا لأنظمة الحكم الشمولية وحتى للمجتمعات التي تحكمها تلك الأنظمة، من خلال شخصية (الأخ الأكبر) -The Big Brother- وهو رئيس الحزب الحاكم الذي تخضع له كل الرؤوس وتنبطح أمامه كل الجبهات، ذلك الزعيم الذي يراقب الجميع بأعين إلكترونية وبلوحاته التي تملأ غرف المواطنين ومقرات مؤسسات الدولة وساحات الحكومة ومراحيضها العمومية.

ما تقوم به هذه الجيوش من تدخل في السياسة والحكم والمجتمع هو نتيجة الظروف الجغرافية والاستراتيجية للمنطقة العربية التي تجعل من الإخلال بمبدأ العلاقات العسكرية-المدنية شيئا لا بد منه

لقد جسد أرويل في روايته واقع الدول الديكتاتورية التي كانت محيطة ببريطانيا آنذاك بعد أن كتبها في وقت لا يزال كابوس هتلر يخيم على أوروبا، وفي وقت أقام فيه ستالين إمبراطورية السوفيات الوحشية وانتهت الحرب الأهلية الإسبانية لتوها باعتلاء الديكتاتور فرانكو الحكم، وهكذا ومع الأيام ارتقت (الأخ الأكبر) من شخصية خيالية إلى نظرية سياسية عن الاستبداد والتسلط، أسس لها الكاتب البريطاني دون أن يعرف، ربما، هو ذلك. وقد جاء توظيف إسم (الأخ الأكبر) توظيفا عبقريا فعلا ذا رمزية أدبية باعتباره كناية عن الشخص الذي يُحاسِب ولا يُحاسَب والذي يُراقِب الجميع ولا يراقبه أحد، إنه ذلك الإبن الأول في سلم ترتيب الأسرة التقليدية الذي يتسلط على إخوته الصغار ويدعي مراقبته لهم وهو أكثرهم فسادا وإفسادا في وقت يسكت الأب والأم عن أفعاله.

نجد اليوم أن ما تمارسه جيوش الأنظمة العربية في بلداننا مثال عملي جدا عن نظرية الأخ الأكبر، فبعدما تتحد الجيوش مع السلطة الحاكمة على أساس مصالح متبادلة، تكون السلطة (الممون الرئيسي) لها مقابل أن تكون الجيوش (رجل الإطفاء) الذي يتم استدعاؤه عندما يحترق بيت السلطة. فيأخذ الجيوش الميزانية الكبرى كل عام دون أن يُسائلها أحد أين صرفتها، تعتقل من تريد وتوقف من تريد دون أن تبرر ذلك، تحقق في القضايا دون أن تكشف نتائج التحقيقات، تقتل وتُعدم من تشاء دون أن تقول لماذا، يُكوِن ضباطها الثروات دون أن يعرف أحد مصدر تلك الثروات، يمارس قادتها النفوذ العسكري لتحصيل امتيازات على غير وجه حق، فيَظلمون ولا يظلمهم أحد ويَقتلون ولا يقتلهم أحد ويُفسِدون ولا يُفسد عليهم أحد ويُدخلون من يعكر عليهم صفوهم السجن دون أن يُدخلهم إليه أحد وهكذا.

وفي وقت انتفضت فيه الشعوب معلنة رغبتها في الكرامة والحياة تأتي الجيوش لتزني بثورات بريئة وتلتف حولها لتصادر أحلام أمم بكاملها في الديموقراطية والقانون والعدالة الإجتماعية بطرق مختلفة متخلفة لا تخرج عن نظام القمع والإسكات وتكميم الأفواه بلا حسيب ولا رقيب، مع تسجيل أن ممارسات جيوشنا قد نوعت أساليبها، ذلك التنوع الذي فرضه تطور نسبي في الوعي السياسي لدى الجماهير في المنطقة العربية، لتساهم في إثراء وتوسيع نظرية (الأخ الأكبر) أكثر فأكثر! فالجيوش العربية حاليا على مستوى الدول المنتفضة تلعب كل أوراقها من القمع الواضح الصريح المصحوب بالرفض العلني إلى الإلتفاف الخفي ضد الشعب مع إظهار الولاء الكاذب له أو تبني ثورات الجمهور من خلال الأخذ بزمام المبادرة مدعية أنها من صلب الشعب فتنسج المسرحيات دون التردد لو تحتم الأمر في التضحية بالرؤساء المغضوب عليهم لكي تفر من مقصلة المحاكمة والمتابعات القضائية.

ففي سوريا، الأخ الأكبر هو من صادر ثورة إخوته منذ سنوات ضد نظام جمهورية التوريث الذي أقامته عائلة الأسد من الجد إلى الحفيد، وهو من اغتصب الشرعية الشعبية في مصر بعد أن سجن، ثم قتل، الرئيس المدني الوحيد، وهو من يتحكم في نظام الحكم ومفاصل الدولة بعد أن قام بتصفية كل معارضيه فلم يُبقِ في مصر سوى تلك الملائكة النجسة التي تسبح بحمد الجيش بكرة وعشيا من أشباه الإعلاميين والفنانين. الأخ الأكبر أيضا هو من يخيط الآن سيناريوهات اقتلاع النظام في السودان وقد فض اعتصام السودانيين بالدبابات والأسلحة رافضا تسليم السلطة للمدنيين، وهو كذلك من يحاول امتصاص الثورة السلمية في الجزائر فارضا حله الوحيد على الحراك الشعبي هناك.

ما تقوم به هذه الجيوش من تدخل في السياسة والحكم والمجتمع هو نتيجة الظروف الجغرافية والاستراتيجية للمنطقة العربية التي تجعل من الإخلال بمبدأ العلاقات العسكرية-المدنية شيئا لا بد منه، لكنه كذلك نتيجة للطبيعة التسلطية لأصحاب القبعات من الضباط وعقيدتهم الفاسدة وكذا حتمية أخذهم بزمام المبادرة لحماية أنفسهم وزمرهم من الحساب والعقاب حتى لو تعلق الأمر بالتضحية برؤوس السلطة المدنية والإدعاء بمحاكمتهم أو حتى محاكمتهم فعليا، كما أن الدعم الخارجي من دول حليفة للأنظمة السابقة -تسعى للحفاظ على مصالحها ودرء أي مشروع تغيير ديموقراطي في سبيل الإبقاء على موازين القوى على حالها- يشجع الجيوش على تكوين الثورة المضادة والسعي لما يسمى في علم السياسة بـعملية إنتاج النظام، دون نسيان الدعم الذي تتلقاه من فئات المجتمع أحزابا وشعبا من الذين يقدسون القوي وفقط مع غياب النخب السياسية التي توجه الجماهير في لعبة السياسة.

يبقى في الأخير أن هذه الجيوش ما كانت لتصعد فوق ظهر الشعوب لو لم تجد من يركع لها سواء طوعا أو بالإكراه، ولأن الحياة ملك للقوي والقوي هو من يملك السلاح سيبقى من الصعب التخلص من عقدة (الأخ الأكبر) في بلداننا العربية ولا سبيل لذلك سوى العمل التدريجي على تحييد العسكر عن السياسة والنظر في مناهج التكوين الحربي النظرية مع ضبط صارم لعلاقة الجندي بالدولة على أساس انه خادم حامي لها وليس سيدًا حراميا عليها وما أصعب ذلك مع جيوش تصف نفسها بالشعبية وهي التي لا تعرف من الشعب.. سوى ماله ودمه!