ماذا عن اللاجئين؟.. مريم مشتاوي تروي

blogs مريم مشتاوي

"حين كنتُ أُفكر في كلمة لجوء، كنت أفتح جناحيّ حتى أقصى مداها وأُحلّق بعيدًا وهناك تكون أحلامي"

     

كانت هذه أمنيات الكاتبة (مريم مشتاوي) على لسان شخصياتها في رواياتها عن كل عربي فكر في الهروب من بلاده والالتحاق بمسمّى: "لاجئ"، فماذا بعد اللجوء؟، مع كل هذه المآسي الواقعة في بلادنا العربية والإسلامية من حروب وثورات وضعف اقتصادي ونهب للثروات واضطهاد للبشرية، شرع كثير من البشر بالهجرة للقارة الأوروبية سعيًا للحصول على مستقبل أفضل، حتى وإن لم يكن لهم، فلعائلاتهم على الأقل.. فالفطرة البشرية السليمة تأبى كل هذا الاضطهاد الذي لربما سعت أنظمة كاملة بشكل أو بآخر لدفع مواطنيها لهذا القرار.

   

ولعل أفضل وطن جديد لهؤلاء البشر القارة الأوروبية.. فحتى الدول العربية الغنية والقليلة أيضا أغلقت أبوابها في وجوههم وهذا وجه آخر من المعاناة النفسية للاجئين، إذ لو فُتحت الحدود العربية لهم.. سيواجهون مسمّىً آخر غريب كاسمه وهو: (أجنبي)، كيف يكون أجنبيًا وهو يشترك مع كل تلك الدول في اللغة والتاريخ والثقافة والديانة؟! على كل حال فكلمة (اللاجئ) أقل وقعا من الأُخرى وعمومًا لن نختلف في التسميات كثيرا.

  

فعندما بدأت الثورات في البلاد العربية ازدادت الأوضاع سوءا بعد سوء فتدافعت موجات اللجوء بشكل فظيع.. مما جعل الدول الأوروبية تغلق الحدود وتوقف اللجوء الرسمي الذي يأخذ وقتًا ليس بالقصير لقبوله، وتفاقمت المأساة بالهجرة غير الشرعية التي تحمل المهاجرين في رحلات خطيرة أودت بحياة كثير منهم غرقا في سفن الموت تحت أنياب أسماك القرش التي لن ترحم أحدا، ولِمَ عليها أن تفعل ذلك.. فالبشر لم يرحموا أبناء جلدتهم عندما وضعوهم تحت وطأة هذا الخيار البشع.

 

تتساءل مريم لكن الإجابات ليست سهلة! إذ علينا أن نبدأ بأوطاننا أولًا، فكيف تتلاعب الدول بمصائر شعوبها بهذا الشكل البغيض

فعلى سبيل المثال لا الحصر قالت (المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين): "في عام 2015، وفي الأشهر الأولى من عام 2016، وصل حوالي 1.2 مليون لاجئ ومهاجر إلى الشواطئ الأوروبية، وكان معظمهم قد فروا من الصراعات والاضطهادات وخسر العديد منهم حياتهم أو رأوا أحباءهم يغرقون في البحر لدى محاولتهم الوصول إلى بر الأمان، وقام عدد متزايد من العائلات والنساء والأطفال غير المصحوبين برحلات خطيرة في عدة بلدان وتعرضوا في غالبية الأحيان للاستغلال على يد مهربين"

تفاؤلا؛ نجا الكثير من اللاجئين وصولًا لدولهم المنشودة.. وإذ بصراعٍ آخر قد بدأ للتو.

 

جسدت مريم مشتاوي هذا الصراع في روايتها الأخيرة (جسور الحب. غرينفيل تاور)، وهو التجرد المأساوي العربي بين عالمين غريمين بالكامل: الغربي والعربي.. فلا يشتركون في شيء إلا في الإنسانية التي قد أصبحت على وشك الانقراض في ظل الشعبوية البيضاء المتنامية في تلك البلاد، حملت الرواية كثيرا من العواطف والمشاعر التراجيدية في قلوب الشخصيات من خلال ما تعرضوا له من استغلال للبشر يمتد للاستغلال الجسدي لتصلنا مريم بحريق برج غرينفل.

 

في 14 يونيو 2017 اندلع حريق في برج غرينفيل الذي سكنه كثير ممن فروا من مواجهة البراميل المتفجرة في بلادهم وأهوال البحر في طريقهم ليواجهوا موتًا أكثر بشاعة.. فقد احترق حسب الإحصائيات الرسمية 71 قتيلا ومئات من الجرحى، لم يمر يوم لم نذكر فيه أنا ويونس (برج غرينفل) والحريق، وكان السؤال الوحيد الذي يُحيُّرنا: لِمَ قصرت السلطات البريطانية في إخماده وما سبب الإهمال؟ كيف يحترق الأطفال والشيوخ والنساء والرجال ويقف مئات من رجال الإطفاء عاجزين أمام النيران المتصاعدة، وتتراكم خمس وأربعون سيارة إطفاء أمام المبنى بدون فائدة؟ أين التقنيات المتطورة؟ ولم كل هذا التقصير؟"

 

تتساءل مريم لكن الإجابات ليست سهلة! إذ علينا أن نبدأ بأوطاننا أولًا، فكيف تتلاعب الدول بمصائر شعوبها بهذا الشكل البغيض؟!  لن نعتب على الدول الغربية، على الرُغم من استحقاقها لذلك مع كل تدخلاتها التي تزرع أزماتٍ وحروبًا تؤول لهروب كثير تحدَّوا ظروفًا مجهولة قد يُحالفهم الحظ فيها وقد لا يفعل. "ما أعظم معنى كلمة (اللجوء) يا أبي وكيف شوَّههَا الطُّغاة حين تمكنوا منها.. فكل ما يسند إليهم يفقد معناه حتى الأوطان" بمرارة تقول ذلك مريم. لكن الله أعظم من كل ذلك وأرحم.