فخ عبرا.. ست سنوات على معركة الشيخ الأسير و"حزب الله"

ست سنوات كاملة مضت على "فخ عبرا"، معركة دموية وقعت في منطقة عبرا قرب صيدا جنوبي لبنان بعد ظهر الأحد 23 يونيو 2013 بين شباب من مسجد بلال بن رباح بقيادة الشيخ أحمد الأسير من جهة وبين "حزب الله" والجيش اللبناني من جهة أخرى. المعركة المشؤومة هذه أدت إلى سقوط عشرات الضحايا من المدنيين وخيرة أبناء المسجد، كذلك من عناصر وضباط الجيش، بالإضافة لعدد كبير من قتلى "حزب الله" المتسبب الأول بهذه المعركة والمدبر و"المخرج" لها!

لم يكن في وارد شباب مسجد بلال يوماً أن يشتبكوا مع أبناء جيشهم اللبناني، وشيخُهم الذي رباهم على احترام الجيش وضرورة حصر السلاح بيده دون غيره، لكن وجود شقتين سكنيتين للحزب في عمارة قرب المسجد مليئتين بالسلاح والعناصر المدربة لرصد ومراقبة المسجد وتحركات من فيه، كذلك الممارسات الاستفزازية المتواصلة أمام المسجد وتراكمات الشعور بالغبن والقهر والظلم نتيجة أحداث أيار مايو 2008 الشهيرة وما بعدها وقبلها، كلها عوامل فرضت على أهل المسجد حمل السلاح بهدف الدفاع عن النفس وفرض احترام الآخرين بالقوة.. وهنا ربما كان النفق الأخطر الذي دخل فيه القوم منفردين!

لقد فرضت الحالة التي مثلها الشيخ الأسير نفسها على الواقع اللبناني بقوة وأثارت جدلاً واسعاً في الداخل وحتى الخارج، وقد تميز الرجل بمواقفه الجريئة والصاخبة وتحركاته الملفتة فملأ الدنيا وشغل الناس لفترة ليست بقصيرة خاصة عندما قام مع أنصاره بالاعتصام في إحدى الطرقات المهمة التي تربط مدينة صيدا والجنوب ببيروت نحو شهر تحت شعار المطالبة بالكرامة وحصر السلاح بيد الجيش اللبناني فتحول الخطاب العام من مستوى طريقة "جماعة الدعوة والتبليغ" وشعارهم الشهير "إن نجاحنا وفلاحنا" إلى مستوى متقدم جداً جملته الشهيرة "سندافع عن كرامتنا حتى آخر نقطة دم" و"بطن الأرض خير لنا دون كرامة".

الشيخ أحمد الأسير
 
لقد مرت حركة الشيخ أحمد الأسير بظروف ومنعطفات وواجهت أحداثاً خطيرة مهدت كلها لمعركة عبرا منها استشهاد الشابين المهندسين "لبنان العزي" و"علي سمهون" في 11 نوفمبر عام 2012 في منطقة تسمى تعمير عين الحلوة حيث قام بقتلهما عناصر من "حزب الله" بشكل متعمد صادم في وضح النهار خلال كمين محكم نُصب لشباب الأسير المتحمسين في الدخول إلى تلك المنطقة لنزع رايات "حزب الله" منها في خطوة اعتبرها كثيرون متهورة لكنها لا تبرر إطلاق الرصاص المتفجر نحو الرؤوس بشكل مباشر مع العلم أن القتلة ما زالوا إلى يومنا هذا دون حساب!

لقد حذر الشيخ الأسير مراراً وتكراراً من الوقوع في صدام مع الجيش اللبناني، وكان يحدّث أنصاره علناً أن خصمه "حزب إيران" يسعى لضربه بالجيش! لكن كل ذلك لم يحُل دون وقوع المحظور و"بلع الطعم" بالقوة! وهذا لا يمنع تحمل الشيخ العنيد جزءا من المسؤولية تحتاج إلى تبيان منفصل محوره "من حول سلمية الأسير إلى حركة مسلحة"؟ لقد كان السيناريو للمعركة "البروفا" يوم الثلاثاء قبل الأحد المشؤوم كارثياً بالنسبة لخصوم الأسير، فقد نشبت الاشتباكات بطريقة لا تناسب "المخرج" وظهر طرفاها شباب مسجد بلال ضد "سرايا المقاومة" التابعة "لحزب الله" وهو أمر "فاقع" جداً ومستفز للحركات الإسلامية "السنية" في صيدا ومخيم عين الحلوة وكان سيؤدي لو استمر إلى نتائج تصب على الأرجح في مصلحة الشيخ الأسير.

لقد أعيد ترتيب المشهد، بعد أن تم الرصد العسكري لكيفية انتشار عناصر الأسير وعددهم، واشتعلت "معركة الإلغاء" بعد بضعة أيام تحت عنوان مختلف تماماً: "الأسير وشبابه يحاربون الشرعية". لم يستطع أي طرف محلي صيداوي فرض هدنة سريعة بعد ظهر الأحد وقد تعقد المشهد تماما ً كما أراد "المخرج" بسبب تسارع سقوط الضحايا من المؤسسة العسكرية في نقطة التفتيش القريبة من مسجد بلال حيث وقع التلاسن والإشكال بين عدد من شباب المسجد وعناصر الجيش وتم إطلاق الرصاصة الأولى من طرف ثالث مستعد للمواجهة الدموية.

استمرت المعركة بغطاء سياسي من أكثر من جهة صيداوية ولبنانية، وانطلقت حفلة المزايدات العظمى والادعاءات الفارغة بالوقوف إلى جانب الجيش دون أن يلتفت أحد إلى المشاركة الواضحة لمقاتلي "حزب الله" في قصف البيوت الآمنة من تلة "حارة صيدا" ذات النفوذ الطاغي للحزب و"حركة أمل" "الشيعية"، وقد ظهرت العناصر الحزبية جلياً في اليوم التالي للمعركة داخل منطقة مسجد بلال وعلى شاشة قناة "المنار" أحدهم يرتدي الزي العسكري وينادي "يا زينب"!

خلّفت المعركة التي استمرت نحو أربع وعشرين ساعة دماراً هائلاً في مبنى ومحيط مسجد بلال حيث تعرضت المنطقة لقصف كثيف مركز هستيري عرض حياة مئات العائلات المحاصرة للخطر وتسبب لهم بخسائر مادية فادحة. استطاع "الأسير" مع مجموعة من شبابه الانسحاب من منطقة المسجد بسلام وبظروف غامضة يشير بعض المتابعين إلى أنها جاءت نتيجة "تسوية" حالت دون استمرار المعركة ووقوع مجزرة أو تداعيات أكبر مع هبّة عناصر مسلحة من مخيم عين الحلوة ووصولها إلى نقطة جامع الموصلي عند مدخل رئيسي للمخيم حيث اشتبكت هناك مع حاجز للجيش اللبناني وسيطرت عليه.

انتهت المعركة بعد ظهر اليوم التالي الإثنين 24 يونيو، لكن المأساة التي أحدثتها لم تنته، وقد أراد "المخرج" استباحة مدينة صيدا بشكل كامل بعد المعركة، لكن وقوف أهلها في صلاة واحدة جامعة يوم الجمعة 28 يونيو وخروجهم في تظاهرة غاضبة ملتهبة من مسجد الزعتري إلى مسجد بلال، واستشهاد أحد الشباب المعتقلين "نادر البيومي" تحت التعذيب، شكّل سدّا دون استمرار الهجمة الشاملة على المدينة الآمنة.

عاد الأهالي إلى منازلهم المنكوبة في عبرا فوجدوا العجب العجاب! "النجاسة" على أسرّتهم، نهبٌ واسع للممتلكات حتى "حنفيات المياه"، لكن ذلك كله يهون أمام قصة واحدة من القصص التي يروونها حول حصارهم تحت النيران، عن رجل مدني من آل "عصفور" ذهب ليحضر ابنته من منزلها في عبرا فأصيب برصاص القنص وظل ينزف في مدخل بناية "المستقبل" من الساعة السادسة مساء حتى منتصف الليل وهو يوصي ابنه بأن يطلب السماح من أمه دون أن تقدر سيارة إسعاف واحدة من الوصول إليه حتى استشهد!

قصص أخرى مؤلمة عن أبناء الجيش اللبناني وعائلاتهم المفجوعة، ما كان موعد الموت الذي حسبوه لفلذات أكبادهم هناك في عبرا بوجه أبناء بلدهم، بل في مكان آخر على الحدود ربما! اشتد الخناق على صيدا بعد المعركة وشعر كثير من أبنائها نتيجة التضييق الأمني الشديد بالاستهداف والانكسار وربما بالعار وبعضهم تعرض للضرب المبرح والدعس على الرأس والسباب وشتم الذات الإلهية عند نقاط التفتيش لا لشيء إلا لصورة للشيخ الأسير وجدوها بعد نبش هاتفه الشخصي!

في مدينة مهادنة مسالمة لم يُوفق إسلاميوها للاتفاق حول صيغة تجمعهم وتوحد طاقاتهم وجهودهم وتحصن مدينتهم بوجه خصم مشترك يريد الهيمنة عليهم واستخدام بعضهم بسطوة ماله وسلاحه.. فكانوا خصوماً أشداء فيما بينهم وكل طرف منهم يحمل الآخر مسؤولية تنازعهم ويظن أنه وحده على صواب! لم ينجح أبناء عاصمة الجنوب في تجنيب مدينتهم معركة كارثية لم تلتئم جراحها بعد.

"انتصر المخرج" مبدئياً ونجح "الفخ"! تم القضاء على الحالة التي مثلها مسجد بلال واعتُقل العشرات من شبابه ونُكّل بهم وما زالوا داخل "غوانتانامو لبنان" مع الشيخ الأسير ينتظرون "العفو العام" المؤجل والذي من المفترض أن يشمل تجار المخدرات وعملاء الكيان الصهيوني الملطخة أياديهم بدماء الجيش اللبناني والمدنيين! وعود كثيرة انتخابية قدمت لعائلات شباب مسجد بلال المعتقلين دون جدوى.. وما زالت العائلات تنتظر طي هذه الصفحة ليخرج المعتقلون ويبدأوا حياتهم من جديد كما فعل غيرهم في لبنان أو بعيدا عن بلد تهيمن عليه إيران وحلفاؤها ولا تبشر اللهجة الطائفية العنصرية المتصاعدة فيه بمستقبل يرضي جميع أبنائه.

ستبقى معركة عبرا شاهدة على حقائق كثيرة لا يتسع المقام لذكرها.. وسأختم بتساؤلات حولها: هل هناك قانون يطبق على الجميع في لبنان؟ من يحاسب الأسير على أخطائه هل يحاسب الآخرين على جرائمهم؟! إلى متى سيظل يشعر المسلمون السنة في لبنان بالغبن والاستضعاف والإحباط نتيجة هيمنة طرف مسلح على الدولة ومؤسساتها ونتيجة غياب قيادة قوية تمثلهم وتدافع عن حقوقهم في بلد تركيبته طائفية؟! متى سيوجه "سلاح المقاومة" ضد العدو الصهيوني حصرا ضمن استراتيجية دفاعية أم أن هذا الأمر أصبح من الماضي بعد بروز تحالف الأقليات في المنطقة؟! هل سيستفيد الإسلاميون من تجاربهم وشبابهم على وجه الخصوص حتى لا يكونوا حطبا لمعارك ومواجهات خاسرة عبثية متهورة؟! هل سيوحد النخب من مفكرين وعلماء ومشايخ وسياسيين صفوفهم لقيادة الشباب نحو تحقيق مشروع يليق بهم ويستفيد منه جميع اللبنانيين؟



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة