دعوة لإعادة إحياء الحضارات القديمة

blogs الحضارة السومرية

تُعْتَبَر منطقة بلاد ما بين النهرين -نهري دجلة والفرات، وتشكل حاليًا دول العراق وسوريا وتركيا- ومصر مهدَ الحضارات المعروفة في العالم، ففيها ظهر الأكاديون والآشوريون والفينيقيون والسومريون والآراميون وقدماء المصريين وغيرهم، وهي حضارات سادت العالم القديم، وبلغت من العظمة والتطور ما لم تبلغه الأمم الأخرى في ذلك الزمن، بل إن العلم الحديث ما يزال يقف مندهشًا أمام بعض إنجازاتها القائمة إلى اليوم، ومنها العمرانية، مثل؛ أهرامات الجيزة، وحدائق بابل المعلقة، والأدبية؛ مثل ملحمة جلجامش، وإنجازات أخرى؛ فلكية وفلسفية واجتماعية، والتي كان الكثير منها أساسًا للتطور العلمي الذي وصلنا إليه اليوم.

 

وهذه الحضارات اندثر آخرها قبل ما يزيد عن ألفي عام، ولكن الملفت للنظر هو المحاولة الساذجة لإعادة إحيائها بكل تفاصيلها؛ بلغاتها وعاداتها وطرائق عيش أفرادها وراياتها، وفي بعض الأحيان أديانها أيضًا، فنطالع على وسائل التواصل الاجتماعي صفحات ومجموعات تحمل اسم تلك الحضارات، وتدعو للتمسك بهويتها، والتعصب للأصول الإثنية القديمة، والتبرؤ من الإثنيات الأخرى الجديدة، بل والأديان الجديدة أيضًا، واعتبارهم غزاة، وليس ذلك في الصفحات والمجموعات فقط، بل في التعليقات التي يملؤها الحنين لتلك الهويات القديمة أيضًا.

 

الهروب للعيش في الخيال مع شعوب أخرى ليس حلًا لهذه الأزمة الحضارية، وتلك الدعوات العقيمة لإعادة إحياء أمم مضى عليها من القرون ما مضى لا تصلح إلا مادةً للتندر وصنع النكات

ما زلت أذكر نقاشًا لي مع صديق سوري، كان يدعو لإحياء اللغة السريانية وضرورة فرضها في المناهج التعليمية باعتبارها اللغة الأصلية لسوريا، أما العربية فهي دخيلة من وجهة نظره، وفي الحقيقة لا أعرف لماذا توقف هذا الصديق عند محطة السريانية تحديدًا، فالسريان أصلهم آرامي، وتحدثوا الآرامية قبل السريانية، والآرامية نفسها هي شكل معدل عن اللغة "السامية الأم"، والتي ربما كانت الأكادية، فلماذا تُفرَض السريانية وليس الأكادية.

 

إن دعوة الإحياء هذه لهي دعوة مضحكة مبكية، فهذه المنطقة مر عليها تجمعات سكانية معروفة منذ ما لا يقل عن خمسة آلاف عام، وهي منطقة لم تهدأ حروبها، ولم تتوقف الهجرات منها وإليها حتى يومنا هذا، ومر عليها غزاة الأرض وبغاتهم، فحكمتها لاحقًا شعوب هندوأوروبية، مثل؛ الإغريق والرومان والترك والفرس، ثم سيطر العرب -وهو عرق آخر غير أصحاب الحضارات السابقة، وإن كانوا كلهم ساميين باستثناء المصريين القدماء- على المنطقة بأكملها بعد ذلك، أما التاريخ الحديث فقد زاد الأمور تعقيدًا، حيث سهل التنقل والسفر، لذلك اختلطت الأعراق فيها، وأصبح مستحيلًا وجود عرق نقي تمامًا.

 

ولكن لماذا تأتي هذه الدعوات؟ ولماذا يعتقد بعض الناس بجدوى دراسة الهيروغليفية أو السريانية؟ وربما الاعتقاد بآمون أو عنات أو عشتار! إن الإجابة عن هذا السؤال معقدة وتكشف عن جانب غير محكي من رفض الحاضر؛ السياسي أو الاقتصادي أو الحضاري أو العلمي أو الفني، أو ربما جميعها معًا، إنه رفض لا يقل خطورة عن ذلك الرفض الذي يجعل الكثير من الناس ينسلخون من هويتهم لأن هويةً ما تتفوق عليهم حضاريًا، فأتباع القسم الأول يهربون عبر الزمان، أما أتباع القسم الثاني فيهربون عبر المكان، وليس أدل على صحة هذا الربط أن مواطني الدول الأكثر نجاحًا لا يفعلون ذلك، فلا نجد دعوات أوروبية مثلًا لإحياء الهوية السلتية أو الحثية، أو التواصل اليومي باللاتينية، إن الخطير في هذا الرفض أنه عشوائي ولا يؤدي إلا إلى نتائج أكثر كارثية؛ نتائج كتلك التي وصل إليها صديقي صاحب دعوة فرض اللغة السريانية، والتجاهل التام لكل ما كان قبلها.

  

الهروب للعيش في الخيال مع شعوب أخرى ليس حلًا لهذه الأزمة الحضارية، وتلك الدعوات العقيمة لإعادة إحياء أمم مضى عليها من القرون ما مضى لا تصلح إلا مادةً للتندر وصنع النكات، ولا يزيدها فكاهةً إلا عقد المقارنات في الماضي السحيق لإثبات من كان أفضل حالًا قبل آلاف السنين، ولا يكمن الحل إلا بالفهم السليم للفرق بين مظاهر الحضارة وأسبابها، فاللغة والدين والموقع الجغرافي والعاصمة والثقافة وشكل العَلَم هي كلها مظاهر لا يعني استنساخها مجددًا المزيدَ من التطور.

  

ربما كان من حسن حظ المنطقة العربية المعاصرة اكتفاء العرب بالفخر بالحضارة الإسلامية، وعدم علم الكثير منهم بالحضارات العربية القديمة، مثل؛ سبأ، وحضرموت، والأنباط، ومعين، وحِميَر، وإلا لكانت المشكلة أكثر تعقيدًا من قحطان وعدنان.