الشمال السوري المحرر.. كيف يعيش؟!

نجا الشمال السوري المحرر مما وقعت فيه مناطق خفض التصعيد الأخرى كدرعا وأرياف حمص ودمشق، فكانت عاقبتها أن سقطت بحضن الاحتلال وذيله الأسد، لكنه سقوط ليس كاملاً كما أمل الاحتلالان الداخلي والخارجي، ما دام الحراك في الجنوب السوري لا يزال يستعر، ويُنبئ بحقيقة واحدة أن لا البلد قادر أن يحكمه عاطف نجيب، ولا الشعب هو نفسه قبل حادثة حمزة الخطيب، فمن ذاق طعم الحرية عرف، فحوران التي كانت مهد الثورة لن تقبل بأقل من أن تكون شعلتها التي لن تذوي ولن تنطفئ..

 

نعود إلى الحديث عن الشمال السوري المعادل لمساحة لبنان جغرافياً، وهو الذي يمتد من تخوم حماة إلى الريف الحلبي ومن الحدود التركية إلى العيس أو قنسرين التاريخية شرقاً، وما يميز هذه المنطقة أنها أرض زراعية خصبة تُزرع فيها كل ما تشتهيه الأنفس والأعين من حبوب وحمضيات وخضراوات، يقطن على أرضه كتلة سكانية قد تتعدى الخمسة ملايين نسمة ممن رفضوا العيش في جلباب الاحتلال وذيله، وممن أصروا على العيش في جلباب الثورة وجغرافيتها الحرة رافضين أن يبرحوا جبال رماة الثورة إلى الخارج..

 

اليوم إدلب التي تعيش حالة من التناغم والانسجام بين ثوارها وحاضنتها الشعبية نجحت بشكل باهر في تحطيم أحلام الاحتلال وذيله، التي كانت تأمل بلجان ضفادع ومصالحة معه

الشمال المحرر اليوم يقاتل على جبهتين، جبهة القتال في مواجهة الاحتلال الروسي وذيله في أرياف إدلب وحماة والساحل، فاستطاع خلال شهرين من الهجمات العدوانية المتتالية اليومية الصمود بل والتقدم، وكبدوا المحتل وذيله مئات القتلى والجرحى باعتراف صفحات التشبيح الموالية للنظام، وتمكنوا أخيراً من تحقيق اختراقات حقيقية في السيطرة على مناطق كانت غائبة عن جغرافية الثورة لسنوات، والحق يُقال إن هذا الصمود العسكري الأسطوري ما كان له أن يكون لو كان بجهود تنظيم واحد، فالصمود أتى بعد توحد كل الفصائل تحت غرفة عمليات موحدة، أثبتت قدرتها العملية كما فاجأت المعتدين، تعالى منهم على الجراح القديمة وآثر كما هو حال أحرار الشام وصقور الشام وجيش الأحرار وغيرهم الوحدة، وفضلوا رعاية الغنم على رعاية غيرها وذاك فقه يؤتيه الله من يشاء.

 

وثمة جبهة مدنية أخرى يقاتل عليها الشمال المحرر وهي جبهة خدمة المدنيين وتثبيت الناس في مرابطهم، فورش العمل هناك متعددة، إن كان في مجال تصليح وتعبيد الطرق، أو في العمل على تأهيل الكهرباء والمياه، وفوق هذا النجاح الباهر في تشغيل جامعة إدلب والتي وصل عدد طلابها وطلبتها إلى 15 ألف طالب وطالبة، وتضم 16 كلية، ويديرها مجلس تعليمي عال، وبجانب جامعة إدلب هناك جامعات خاصة أيضاً.. الجهاز التعليمي في الشمال المحرر يسير وفق خطة موضوعة منذ بداية سنوات الثورة، فثمة التعليم الحكومي، وهناك التعليم الخاص، وهناك تعليم المساجد والكتاتيب إلى جانب التعليم الحكومي والذي قدم خدمات جليلة في تثقيف الناس أمور دينهم، فظهر حفظة القرآن الكريم، وظهر معه التركيز على علوم الآلة من اللغة العربية والحديث الشريف ونحوهما..

 

أما على صعيد  العمل البيروقراطي فتواصل حكومة الإنقاذ برئاسة المهندس فواز هلال وكذلك رئيس مجلس الشورى الدكتور بسام صهيوني العمل في خدمة السكان، إن كان على صعيد التعليم أو الصحة، وكذلك في مجال السجل المدني والعقاري والخدماتي وغيره من المجالات الرامية إلى خدمة الناس وتسهيل وتسيير عملهم اليومي، وقد استطاعت الحكومة خلال الفترة الماضية تثبيت نفسها على رغم قلة الإمكانيات وضيق ذات اليد، وضاعف من مشاكلها عدم تعاون العالم الخارجي معها، على الرغم أن كل طاقم الحكومة من دكاترة وأساتذة بعيدين كل البعد عن التصنيف الحزبي والفصائلي الضيق..

 

على المستوى الأمني كان للحملة الأمنية المشنونة ولا تزال منذ أكثر من عامين صدى إيجابياً حيث تم القبض على مئات من عناصر الدواعش الذين بذلوا جهوداً كبيرة في أن تكون إدلب والمناطق المحيطة بالجارة تركيا قاعدة لنشاطاتهم القاتلة في داخل تركيا وربما في خارجها، وتمكن الثوار في إدلب وغيرها من السيطرة على هذه النشاطات الإرهابية التي استهدفت المدنيين والعسكريين، وساعد ذلك نشر كاميرات مراقبة على مداخل مدينة إدلب وكذلك على الدوارات الرئيسة في المدينة مما مكّن الأجهزة الأمنية التابعة للثوار من تفكيك كثير من الخلايا بعد ساعات من وقوع الجريمة، كل هذا يشير إلى حقيقة صارخة واحدة وهي أنه بقدر ما يعشق الشمال المحرر والذي هو اليوم سوريا الحرة التي تضم كل أحرارها من كل المحافظات الموت في سبيل الله وسبيل الصمود من أجل غد أفضل لهم ولأجيالهم، فإنهم يعشقون الحياة يتجلى ذلك فيما ذكرناه من العمل على تحسين الخدمات بكافة أشكالها..

 

اليوم إدلب التي تعيش حالة من التناغم والانسجام بين ثوارها وحاضنتها الشعبية نجحت بشكل باهر في تحطيم أحلام الاحتلال وذيله، التي كانت تأمل بلجان ضفادع ومصالحة معه، وشاهد الجميع كيف أن شعباً فقيراً يقوم بحملات جمع تبرعات لمجاهديه وثواره فجمعوا مئات الآلاف من الدولارات، وبرزت نماذج قلّ نظيرها كحال تلك المرأة التي لديها ثلاثة أطفال قعيدي الفراش، وزوج شهيد، لكنها لم يمنعها ذلك من التبرع بـ خمسة آلاف ليرة وهو ما يعادل 18 دولار أميركي، كاتبة ورقة تقول فيها هذا كل ما أملك، وأريدكم استخدامها لقتال الاحتلال وعصابته، ومن أعجزه التبرع مالياً فقد قام بالتبرع بأكياس من الرمل والتراب دعماً للتدشيم والتحصين في جبهات القتال..

 

إدلب اليوم جمهورية مصغرة، لا يمكن محاصرتها في ظل أراض زراعية شاسعة وخصبة، بل هي التي حاصرتهم وتحاصرهم، يساعدها في ذلك جارٌ تركي، ليس كجار غزة، ومن يظن أنها لقمة سائغة عليه أن يعيد النظر كرتين وربما أكثر، فهي لقمة كبيرة ستغص بها قوى كبرى وصغرى لو تجرأت عليها..



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة