مصر.. زمن الوحوش الضارية

تمثل وفاة الرئيس المصري السابق محمد مرسي في محبسه أبرز صور التوحش الذي تشهده مصر منذ ثورة يناير ٢٠١١ حتى اليوم في ظل ما تحمل شخصية مرسي من رمزية. لنتفق بداية على أن مرسي هو قيادي إخواني بلا شك وفي حوالي سنة من الحكم حتى الانقلاب عليه لم يبل بلاء حسنا في إدارة شؤون البلاد على مستويات مختلفة احتكم فيها إلى "الأهل والعشيرة" الإخوانية.

 

ولنتفق أيضاً على أن مرسي هو أول رئيس مصري مدني منتخب في تاريخ البلاد وهو أول رئيس منتخب من إفرازات ثورات الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية بعد سنوات من القمع والاستبداد التي أعقبت سنوات الاستعمار بصوره المختلفة. وبذلك، يأتي الانقلاب على مرسي في إطار الانقلاب على خيارات الناس الموثقة في صناديق الاقتراع والتي لا يمكن معارضتها بصور مظاهرات وعرائض تمردية. فالغاية من الثورات الربيعية أن تكون الصناديق هي الحكم لا العسكر ومن خلفهم. فمن يأتي بالصندوق يذهب بالصندوق ويحاسب دستورياً وقانونياً وإلا لما قامت الثورات أصلاً.

 

وفاة مرسي في محبسه ليست وفاة المواطن محمد مرسي عيسى العياط ابن قرية العدوة في محافظة الشرقية بل قتل ممنهج للديمقراطية والتغيير ورسالة واضحة خرجت على لسان الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي

من هنا تحمل وفاة مرسي في محبسه أبعاداً خطيرة لها انعكاساتها على المحبطين من شبابنا وشبه المحبطين منهم. إذ أن الأمل كان ما زال معقوداً، أقله في نظري، على تحقيق فترة مصالحة في مصر تشهد عدالة انتقالية وتحقيق تسوية سياسية داخلية وإقليمية تقضي بالإفراج عن عشرات آلاف المعتقلين السياسيين والكشف عن مصير المخفيين قسراً ومحاسبة القتلة خارج إطار القانون ولو على مستوى مسؤولين من الدرجة الثانية والثالثة.

 

وبينما كان الانقلاب هو أول مسمار دق في نعش الديمقراطية كانت وفاة مرسي في محبسه آخر هذه المسامير ليس لشخص المتوفى وإنما كما أسلفت لرمزيته. كما أن معاملة مرسي، لرمزيته لا لشخصه، سواء في المحاكمة أو ظروف السجن لم تكن عادية ولا تليق برئيس دولة ولا حتى بإنسان وفق شرعة حقوق الإنسان وحقوق المساجين أقله في العناية الطبي، فما بالكم بست سنوات من الحبس الانفرادي والعزل عن العالم الخارجي.  فأي آمال بعد الآن وعلام ستعقد خصوصا بعد إعلان براءة مبارك ونجليه وهروب وزير داخليته حبيب العادلي ومشاهدات أخرى من الانقلاب على الثورات من سوريا إلى اليمن وصولاً إلى ليبيا وتونس.

 

إذن إن وفاة مرسي في محبسه ليست وفاة المواطن محمد مرسي عيسى العياط ابن قرية العدوة في محافظة الشرقية بل قتل ممنهج للديمقراطية والتغيير ورسالة واضحة خرجت على لسان الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي أكثر من مرة "يا نحكمكم يا نقلتكم". هذه الرسالة تتعدى مصر إلى كل المنطقة العربية، ألم نسمع سابقاً "الأسد أو نحرق البلد!".

 

يحيلني الحديث عن التوحش إلى بحث أعده محمد مصطفى وبلال علاء ونشره منتدى العلاقات العربية والدولية بعنوان "زمن الوحوش الضارية: بحث في صراع الخطابات في مصر في سنوات الضباب والثورة والدم". يعتمد البحث منهجية وإطار نظري حيث يرصد ويتعقب الخطابات في مصر لا سيما خطاب الثورة وخطاب الإسلاميين وخطاب الجيش أو خطاب الدولة في محاولة لتحليل مضامين هذه الخطابات وتنافسها في المجتمع المدني.

 

ويستند الباحثان إلى إسهامات أنطونيو غرامشي عن المجتمع المدني والهيمنة الأيديولوجية وما قدمته حنا أرندت عن علاقة العنف بالأنظمة الشمولية، ثم يسقط هذه النظريات على مصر منذ ما قبل الثورة عن بعد 30 يونيو ووصول السيسي إلى الحكم. وبينما يُستنتج من البحث أن الإخوان المسلمين سلكوا طريق الهاوية من حيث يدروا أو لا يدروا دون أن يتركوا أي شعرة مع أي طرف لإنقاذهم، فإن بقية أطراف الثورة أو شركاء الثورة ينطبق عليهم القول الشهير "أكلت يوم أكل الثور الأبيض" أي أنهم ساندوا الجيش أو غضوا البصر عن فرض حالة الاستثناء على الإخوان وطردهم من المجتمع المدني ليأتي الدور عليهم لاحقا ويصبحون رفاق الإخوان في السجون أو المنافي أو القبور.

 

نكتشف من خلال البحث كيف أن نظام مبارك كان ذكيا في إفساحه المجال لوجود معارضة ووجود أصوات وخطابات أخرى تحت سقف معين مما سمح بوجود مجتمع مدني يحمي البلاد عند سقوط النظام ويمنع جرها إلى العنف المسلح. لكن ما يفعله السيسي اليوم بقضائه على جميع معارضيه سجنا أو قتلا أو نفيا فإنه يهد كل مقومات المجتمع المدني في البلاد وبالتالي يصبح العنف المسلح هو الخطوة المقبلة في حال أي انهيار أو تراجع في هيمنة خطاب الدولة أو الجيش.

 

ولعل الكتاب قد فاته التنبؤ بما تقوم به حركة حسم اليوم وكذلك تنظيم الدولة داخل العمق المصري وليس فقط في سيناء نتيجة قضاء النظام المصري على كل صوت وخطاب ينافسه على السلطة. وبالتالي أختلف مع المؤلفين الكريمين لجهة قولهم إن نظام السيسي بدأ بإعادة تشكيل المجتمع المدني، فعن أي مجتمع مدني يتحدثون وهناك 60 ألف معتقل في السجون وهناك حوالي 13 سجن تم بناؤهم في عهد السيسي وكل الأصوات المعارضة الحقيقية تم تكميمها.

 

فما هو البديل للاحتجاج أو الاعتراض سوى العنف كما جرى في سوريا التي لا يوجد فيها مجتمع مدني أصلا فكانت النتيجة حربا شرسة. كما أختلف مع المؤلفين لجهة قولهم إن زمن الوحوش الضارية بدأ في مصر بعد 30 يونيو إذ أن هذا الزمن لم يبدأ فعليا وإن كان بدأ من طرف واحد هو النظام لكن الوحوش من الجهة الأخرى لم تكشر عن أنيابها بعد وحمى الله مصر من كل شر.

 

كنت أفضل بكل تأكيد لو جرى دمج القسم النظري مع القسم التطبيقي ليكون الكتاب سهلا لغير الأكاديميين والخبراء إذ أن مثل هكذا كتاب يجب أن يصل إلى عامة الناس لا إلى طبقة معينة منهم من حيث المضمون والمعنى المقصود. أخيراً، إن مصر تعيش فعليا زمن "القديم ينهار، والجديد لم يولد بعد، وفي هذه الأثناء تكثر الوحوش الضارية" كما قال غرامشي والعبرة هنا لكل مستبد أن يفسح للخطابات الأخرى للتنافس واحتوائها قبل أن تتحول البلاد إلى ساحة تفترس فيها الوحوش الضارية وتنهش بعضها البعض.



حول هذه القصة

في فترة رئاسة مرسي كان واضحا للعيان سخط الدولة العميقة على الإخوان وتيارهم عامة وعلى الرئيس بصفة خاصة، وهذا ما كان متجليا من خلال الإعلام الذي كان يجابه أصحاب السلطة.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة