شعار قسم مدونات

صراع الزواج بين الحب ورضا الوالدين

BLOGS زواج

ربما لم أحبُ أن اكتب عن الحبِ كثيرًا الحب الذي يصدق ولا يخون يفي بوعيدهِ كُلها وثابتٌ على الوصل، سرٌ إلهي يقذف في قلبك لحبِ الآخر وليس للقلب عليه سبيل، ومن منا يملك قلبه؟ أو ربما كنت اثق أن الحب منطلق من اتفاق العقل والقلب على وجود هذا الشخص في حياتك وأن يُكمل معك طريقٌ تربِطُك به أيامٌ وليلالٍ حالكاتٌ ومؤنسات.

 

وحين وصف الله علاقته بأوليائه "يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ" أظهر أن العلاقات القائمة على الحب أقوى العلاقات وهي التي تكون فعلًا جادة ومنجزة بالقول والفعل والتقدير واهمها الاحترام الذي يبنى عليه صفوة الحب فإذا كان الحب عظيم بين العبد وربه فمن الجميل أن يكون العبد ربانيًا في اتباع الحب بينه وبين عباد الله، لكن في وقتنا كثر هذا الجدل بين أن تختار من اختارها قلبك لتكون معك وتكمل الطريق الشاق بحلوه ومره وتصبران وتتصبران لأجل هذا الحب الذي جمعكما وبين من يرضاها والديك!

 

لكن لازلت أذكر هذا الحدث حين ساقني الله إلى كلية الشريعة ذات يوم في الصباح الباكر لألتقي بفتاة قد أحمر وجهها وبدا عليه الهزل من كَثرة البكاء، ولكني لم أُحرك ساكنًا وقتها نظَرت لي وقالت ما كنتِ فاعلة لو أنكِ خُطبتِ لشخص أحببتيه ثم مازالت أمه تحول بينك وبينه حتى فسخ عني ليخطب إبنت خالته! أصابني ذهول حينها ولم أستطع أن أواسيها بكلمة إلا أن تحتسب هذا عند الله وهو ناصرها والخير لا بد أن يظهر، حين قرأت هذه القصة تقول فيها إحدى النساء قتلت ابني حين خيرته بين رضاي والزواج بمن يحب! واختار رضاي وتزوج من يميل لها قلبي ومن ذلك الوقت إلى الان وانا اشاهده كل يوم يموت امامي وكأن نظراته لي تقول انتِ السبب في تعاستي!

  

في الزواج عليك أن تذكر نفسك أنك وحدك من سيكمل الطريق معها ويغلق الباب والكتاب صفحاته عليكما ثم يولي العالم بعدها وكلٌ له شأنٌ يُغنيه ويُشغلُه وأنت سيشغلك شأنك في كل خلاف

قررت أن أوجه كلامي لأول مرة عن الحب الذي يتجرعه الكثير الحب في الله الذي يصدق حتى يصل إلى الزواج بما يرضي الله، لذلك ربما أصعب الطرق على الرجال حين يُخيير بين الزواج بمن يُحب وبين رضا والديه أو احدُهما على الأقل!!وغالبا ما يختار الرجل رضا والديه، وبعد ان يتم الزواج بمن لم يرد يبدا وبعد ان فات الأوان بالمقارنات وتبرز وقت الخلافات ويبدأ الندم والحسرة تأكل أفكاره وخواطره وإن وجد اي شقوق وفرصة للتخلص من هذا الزواج والوصل بمن ارادها سابقا فلن يُقصر بذلك بتاتًا ومن هنا تبدأ وتكثُر قصص الطلاق، لنقيس ونوازن يجب على كل إنسان أن يعلم أن اختياراته ملكه، وحياته ملكه يرسمها ويخطها كيفما شاء ولا بد أن يُسأل بعد موته، لكن بعض العادات جائت لتعكر صفو حياة البعض (هذا ما وجدنا عليه آبائنا وأجدادنا) ربما لم تتيح هذه العادات لوالدينا حق الاختيار، فآبائنا اختاروا أن يكونوا قيد هذه العادات وأكملوا حياتهم والآن لك حق الاختيار ألا تكون قيد هذه العادات.

 

ولأننا بشر تملئُنا النواقص فاذا ـرد الانسان شيء ولم يحصل عليه يبقى له بالًا مع الشيء خاصتًا إذا كان عدم الوصل بالمنع والغصب، ونحن فينا طبع الندم والتحسر في بواطننا يظهر على فلتات افعالنا ولو بعد حين وبعد فوات الأوان، فالفكرة أن تفعل الذي تحبه ما دام لا يؤذي أحد وليس فيه إثم ولا قطيعة أفضل من أن تندم وتتحسر على عدم فعلك له! لنا في الصحابة أسوة حسنة حين قال عمر بن الخطاب (لَوْ أَدْرَكْتُ عَفْرَاءَ وَعُرْوَةَ لَجَمَعْتُ بَيْنَهُمَا) فالرأي الأصوب هو أن تتزوج من تحب وأن تجاهد فيها ولا تظلم نفسك بها، وحاول في نفس الوقت أن ترضي والدتك أو والدك.

 

في الزواج عليك أن تذكر نفسك أنك وحدك من سيكمل الطريق معها ويغلق الباب والكتاب صفحاته عليكما ثم يولي العالم بعدها وكلٌ له شأنٌ يُغنيه ويُشغلُه وأنت سيشغلك شأنك في كل خلاف ومقارنة بين من اختارها والديك ومن تمنها قلبك، وأنها ليست التي أردت ان تمضي معها هذا الطريق، لذلك كن مع من أختارها قلبك وعقلك وكانا متفقين عليها، لأنك وإن فعلت العكس ستتهم الذي عارضك أو الذي اختار لك هذه الزوجة وأي خلاف قد يكون فرصة لفشل الزواج، وأول من سيتألم معك والديك، وبذلك سيعلمان أنهما قد كسرا فيك شيئًا لا يمكن أن يصطلح.

 

لنكن صرحين لأبعد حد غدًا قد يفارقانك والديك وتبقى أنت مع من لم يختارها قلبك وحدث بعدها من شئت ان لم تكن مع من احببت لانك ستجد شقوق تتفلت به من هذه المرأة، غير أنك ستجد مسؤليتك عليها حملًا وليس حبًا وعطائًا! فقط لانك اتخذت قرارًا في ساعة حيرة، الزواج يقوم على أن يسكن كل منهما للآخر أن يكون بينهما الاحترام والود ويبنى على مبدأ الإيجاب والقبول فإذا كان القبول على الزوجة بعكس ما ينادي به القلب والعقل، في هذه الحال سيكون الذبول والفتور في الحب والعطاء والسكينة والود هو أول ما يقدم للطرف الثاني هو أول طرق الظلم.

 

وباختيارك رضاهما على سعادتك وحقك في الاختيار تظلم نفسك والله يقول (مَا ظَلَمناهُم وَلَٰكِن كانُوا أَنفسهُم يَظْلِمُونَ) إن الله لغني عن تعذيبك لنفسك ولغيرك بزواجك بمن لا ترضى، والله رؤفٌ بعباده ولا يرضى لعباده الظلم، فكيف لك وإن ظلمت فتاة أخرى معك!

 

قبل أن تضع نفسك في متاهات سلكها غيرك لأنهم لم يفرقوا بين رضا الوالدين وبين سعادتهم فانقلب سلبًا عليه وعلى أهله، فعليك أن تَقس وتوازن في حرية اختيارتك
لما يختار الرجل رضا والديه؟

يختار الرجل رضا والديه في الزواج ظانًا منه أنه طريقٌ عقلاني وليس عاطفي، ومن الواجب إطاعتُهما في هذا الأمر وأن رضا والديه أهم من رضاه وسعادته وراحة باله خاصة في رحلة العمر مع شريكه، لكن عليكم أن تكفوا عن معاملة أبنائكم على أنهم أطفالًا لا يُحسنون التصرف والاختيار، كفوا عن عدم تحملهم مسؤلية اختياراتهم ،لأن الرجل يكتشف بعد الزواج أنها ليست هذه هي الفتاة المناسبة فتهون عليه العشرة فيحدث الطلاق، كفوا عن تجاهل السبب الرئيسي من الزواج وهو الحب والاحترام المتبادل وأن يقوم على الوصل طيلة الحياة لا على تجربة لحظية.

   

الآن ما العمل؟

رضا الوالدين موصى به ومقرون بعبادة الله، وأوصاك على السعي لبرهما فيما ينفعهما ولا يضر ويظلم غيرهما، لذلك حين يخير الوالدين أبنائهم بين رضاهم وبين من يحبون ولا يوجد سبب مقنع يقبله العقل والواقع لرفضهما بل لانهم يميلون لفتاة أخرى، فهذا ظلم واقع عليك وعلى من اردتها وعلى من يوريدونها لك، فالأولى أن تختار من يميل لها قلبك لانك انت الذي من سيتزوج بهذه الفتاة فالاحرى أن يكون قبولك لها تامًا تامًا، الرسول حين قال للصحابي (‏انظر إليها فإنه ‏أحرى ‏أن يؤدم‏ ‏بينكما) أمر الشاب بهذا ولم يأمر أحدًا غيره وهذا أعظم دليل بأن يكون الزواج من اختيارك وبمن تألفها وتألفك وترضها وتتحمل كامل مسؤليتك باختيارك لها، وفي نفس الوقت ترضي والديك وهي بدورها تكسب حبهما مع الوقت لأجلك.

 

يا سيدي تذكر أن الذي يقول لها عقلك وقلبك معًا "انها هي التي أريد" تأكد أنك في مسارك الصحيح وإن خالف القلب العقل في فتاة فعليك الا تكمل الطريق معها وكذلك الرسالة للفتاة لا تتزوجي بشخص قلبك وعقلك ليس متفقان عليه، أما من منظوري في مقياس التخير… حرام على كثير من الأباء هذا الظلم الذي تسقيه ابنائهم! (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ) حين أوصاكم بهم لم يعطيكم حق التجبر على مشاعرهم وكانهم أطفال صغار لا يُعون ما يفعلون وإنه لظلمٌ بتخيرهم بين زواج ممن يريد وبين رضاكم فهل تستعملون حق رضاكم فيما لا يرضيهم ويسلبهم سعادتهم في اختياراتهم.

  

والآن يا سيدي قبل أن تضع نفسك في متاهات سلكها غيرك لأنهم لم يفرقوا بين رضا الوالدين وبين سعادتهم فانقلب سلبًا عليه وعلى أهله، فعليك أن تَقس وتوازن في حرية اختيارتك وان ترضي والديك ونفسك فلم يعطيك الله القوامة سبهلالة، وفي نفس الوقت لا ينقلب رضاهما سببًا لتعاسة قلبك، وتذكر أنت إن لم تجاهد لأجل وضع تحبه ستجاهد أضعاف حتى تتأقلم مع وضع لا تحبه، وتذكر يا سيدي انه لا ينفع أن تبحث عن حلول في وقت متأخر لأن العطار لن يصلح ما أفسده الدهر.. واللقاء لا يصلح ما افسده الغياب.. وندمك وقد فات الأوان هو و الفراغ سواء.. وايضًا أنه ليس مُهمًا أن تتزوج حتى يُقال أنه تزوج ولكن الأهم من تتزوج.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.