الحرب الإلكترونية.. سلاح إيران الفعال في مواجة أمريكا

لطالما تناقلت وسائل الإعلام المحلية والعالمية في الأونة الأخيرة الاخبار التي تدور حول التوتر الحاصل في مياه الخليج بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران وما كان يًنسب للأخيرة تارةً عن مسؤوليتها عن استهداف ناقلات نفط ومحاولتها تضيق حركة الملاحة إلى أن تم في خضم هذا التوتر ما كان سيقود لضربة أمريكية لمصالح إيرانية بعد إسقاط قوات الجو فضا التابعة للحرس الثوري الإيراني طائرة بدون طيار يقال بأن تكلفتها تفوق مئات ملايين الدولارات والتي تمتلك الولايات المتحدة منها فقط أربع طائرات.

 

فالطائرة بدون طيار آر كيو-4 غلوبال هوك هي الأحدث في الترسانة التابعة لسلاح الجو الأمريكي إلى درجة تفوق تكلفتها طائرة F35 وهي التي لا يستطيع الرادار أن يكشفها حسب ما صرحت الشركة المصنعة لها فهي أيضاً تمتلك معدات تجسسية متطورة جداً تمكنها من التجسس خارج حدود دول بأكملها واعتراض مكالمات الهاتف والرسائل إضافة الى موجات الراديو. ولكن سقوط طائرة تحلق على ارتفاع يزيد عن 65 ألف قدم يجعل القيادة الأمريكية في الخليج في موضع حرج.

 

فالعالم الأن يرى الأحداث المتسارعة والتوترات الحاصلة في مياه الخليج ولا يدرك ماهية الحروب الخفية التي تدار هناك فقد صرحت القيادة السيبرانية للقوات الأمريكية في الخليج بأنها وجهت ضربة انتقامية لإيران ولكن من نوع أخر. الهجمة موجهة ضد مجموعة تجسسية إيرانية كانت قد أَتهمت بأنها شاركت في الهجمات التي حصلت مؤخراً على السفن التجارية حسب تصريح القيادة الأمريكية. وأَضيف أيضاً بإن مجموعات قرصنة تتبع للحرس الثوري الإيراني قامت بتتبع حركة السفن العسكرية والمدنية واستهدافها رقمياً عبر مضيق هرمز الذي يعد شريان العالم بالنسبة لحركة الناقلات النفطية وغيرها.

   

   

من جانبه رفض مجلس الأمن القومي الأمريكي والقيادة السيبرانية التصريح حول ذلك وإضافة أي معلومات بهذا الصدد مبررين ذلك بأن مسألة كهذه تتعلق بالسياسة والأمن لا تًناقش ولا سيما العمليات المرتبطة بالفضاء الإلكتروني أو العمليات الاستخباراتية التشغيلية. وهنا يجدر الملاحظة بأن قدرة طهران على جمع المعلومات وإطلاق العنان للعمليات الهجومية تطورت بشكل ملحوظ في العقد الماضي، لا سيما بعد أن أًصيبت أجهزة الطرد المركزي الإيرانية في محطة تخصيب اليورانيوم في مفاعل نطنز بفعل دودة كمبيوتر خبيثة تسمى ستاكس نت كانت قد أًعدت من قبل المخابرات الأمريكية والإسرائيلية حسب تقارير عدة. تم الكشف عن ستاكس نت لأول مرة في عام 2010 وأدت إلى تأخير في عمل المفاعل والتخصيب لمدة لا تقل عن السنتين ونتيجة لذلك خلفت خسائر كبيرة لإيران وتعويقاً في البرنامج النووي لديها . ولكن ما حدث فعلياً في الأونة الأخيرة بحسب تصريحات لجون هولكويست مدير الاستخبارات بشركة FireEye بأن الإيرانيين قد استهدفوا أفراد من البحرية الأمريكية بغية جمع المعلومات منهم وخاصة أولئك الموجودين في الأسطول الخامس.

 

أما حول الاستراتيجية الإيرانية في جمع المعلومات كان أولها استغلال ما يعرف ب الهندسة الاجتماعية فيقومون باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي للبحث عن البحارة المستضعفين على متن السفن العسكرية الأمريكية وأيضاً سفن بحرية أخرى حيث يتظاهر الإيرانيون بأنهم شابات جذابات يتطلعن إلى التواصل مع "بحار وحيد" لجمع معلومات استخبارية عن تحركات السفن حيث صرح أحد مسؤولي الاستخبارات السابقين: بأنه كان هناك العديد من الأمثلة الناجحة لهذه العمليات الإلكترونية الإيرانية". "كانوا يفعلون ذلك على نطاق واسع."

 

وقال المسؤول السابق إن أفراد القوات البحرية في الأسطول الخامس هم عًرضة لكشف معلومات ذات مستويات مختلفة من الحساسية – مثل متى وأين يسافرون – بينما يجهلون الهوية الحقيقية لمحاوريهم. بالإضافة إلى تمكنهم من تتبع حركة السفن والأفراد الأمريكيين، فإن هذه العمليات ساعدتهم أيضًا على وضع مًخططات تنظيمية للوحدات العسكرية الأمريكية. فجهود الاستهداف الإيراني في هذا المجال أصبحت أكثر تطوراً بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة، وفقاً لمسؤول المخابرات السابق. الجهود التي بذلها كرودر في الماضي – والتي تظهر صوراً شخصية للنساء في البيكينيات، والذين سيطلبون على الفور من الأفراد العسكريين الأمريكيين الحصول على معلومات حول موعد قدومهم إلى الميناء – قد أفسحت المجال لمنهج أكثر رقة وأكثر استهلاكا للوقت.

 

الحروب الإلكترونية هي ميدان إيران لمواجهة الحرب الاقتصادية من قبل الولايات المتحدة وكذلك هي بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية فهي تستخدمها كخيار بدلاً عن خيار الحرب التقليدي

استخدم الإيرانيون صوراً لنساء جذابات، لكن يرتدين ملابس كاملة، وعملوا على تقوية العلاقة بينهم وبين جنود البحارة الأمريكية ليدخلوهم في دوامة الصداقة الوهمية وبعدها إلى مرحلة الثقة في الشريك الوهمي على الشبكة العنكبوتية وهنا يتجلى بوضوح استخدام الدراسات النفسية وربطها بالحروب السيرانية فكما هو معروف بأن البحارة يميلون إلى العزلة في طريقهم البحري لانعزالهم عن محيطهم وعندها يتمسكون بأي علاقة ولو كانت غير مقنعة وافتراضية وكانت شركة FireEye قد حللت هجوم واحد على الأقل لمجموعة إيرانية تستخدم حسابات وهمية على شبكات التواصل الاجتماعية لإغراء الجنود واصطيادهم.

 

وما عزز الرواية لدى القوات الأمريكية بأن الإيرانيين وراء هکذا أنواع من الهجمات هي كشوفات وزارة العدل التي تثبت التشابه الكبير في جمع المعلومات الاستخباراتية التي كانت مدرجة في لائحة الاتهام ضد العميل السابق في سلاح الجو التي قد كشف النقاب عن تجنيده مؤخراً من قبل الاستخبارات الإيرانية حسب الرواية الأمريكية وهنا تجدر الملاحظة بأنه بعد هذه الحادثة طرأت تغيير كبير في أساليب الاستهداف عن طريق الهندسة الاجتماعية فلقد حسن الإيرانيين أسلوبهم في الاستهداف بعد كشف الأسلوب السابق، ووفقاً لأحد ضباط المخابرات بأنه كانت تقنيات أًخرى غير تلك التي تعتمد على الهندسة الاجتماعية وهو اختراق مواقع تتبع السفن لتتبع حركة الملاحة والبحارة.

 

كان لكثافة تحليق طائرات التجسس الأمريكية في مياه الخليج مختبر جيد للقوات الإيرانية للتدرب على اختطاف الأنظمة الرقمية التي تكون في الطائرات بدون طيار فهم باستطاعتهم الحصول على الإشارات التي ترسلها تلك الأنظمة وتزويرها عبر إحداثيات أخرى كما حدث مع إسقاط طائرة RQ170 عبر هجوم يعرف ب GPS Spoofing  وهذا ما يمكن إيران من خداع أنظمة الملاحة البحرية عبر نفس الهجوم لتحقيق أي غاية ترغبها طالما تمتلك التقنية. فالحروب الإلكترونية هي ميدان إيران لمواجهة الحرب الاقتصادية من قبل الولايات المتحدة وكذلك هي بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية فهي تستخدمها كخيار بدلاً عن خيار الحرب التقليدي ونتيجة لما ذكًر من هجمات منسوبة لإيران بحسب تصريحات القيادة الأمريكية فارتأت الولايات المتحدة الرد أيضاً بالطريقة السيبرانية فقد ذكرت صحيفة واشنطن بوست بأن الرئيس دونالد ترمب صادق على توجيه هجمات إلكترونية ضد أنظمة إيرانية تتبع للحرس الثوري الإيراني والقوات المسلحة تًستخدم في توجيه منصات إطلاق الصواريخ وكما صرحت القيادة الأمريكية بأن العمل على ذلك الهجوم السيبراني كان من عدة أسابيع وقَد اتخذ القرار بشنه بعد الهجوم على ناقلتين نفط في خليج عمان.

  

تم الكشف عن خبر تلك الهجمة الإلكترونية في خضم التوتر الحاصل بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران والذي تراجع فيه ترمب عن هجمات عسكرية على أهداف إيرانية كانت ستودي بحياة 150 شخص. من جانبه صرح توماس بوسرت وهو مسؤول سابق في البيت الأبيض بأن مثل تلك العمليات تشكل خطراً على البنية السيبرانية لدى إيران ولكنها أيضاً تعمل على الدفاع عن البحرية الأمريكية وعمليات الشحن في مضيق هرمز فجيشنا الأمريكي معروف بأنه قادر على إغراق أي سفينة في مياه الخليج في غضون 24 ساعة ولكن هذه النسخة الجديدة التي نستخدمها للدفاع عن البحرية الأمريكية وحرية النقل والشحن والحفاظ على مصالحنا بدون تهديد إيراني.

   

ولا بد من الإشارة هنا بأن مستشار الأمن القومي جون بولتون كان من الداعمين لاستراتيجية إطلاق العنان للقوات السيبرانية لتكثيف الهجمات الإلكترونية ضد من يهدد مصالح الولايات المتحدة وقد برز ذلك جلياً في مؤتمر وول ستريت جورنال عندما صرح بأننا نوسع الفتحة ونعمل على فتح أفاق جديدة ومجالات بغية العمل عليها. وحول مدى تأثير نوعية الهجمات قال كريستوفر كريبس مدير وكالة الأمن الداخلي والأمن السيبراني التابعة لوزارة الأمن القومي لا شك في أن هناك زيادة في النشاط السيبراني الإيراني". "الإيرانيون ووكلائهم ليسوا لصوص بيانات. هؤلاء هم الرجال الذين يدخلون ويحرقون المنزل في إشارة إلى تنامي دور إيران في تأثير الهجمات السيرانية .

  

فهل أصبح العالم يواجه حروبه التي لا دماء فيها عبر أجهزة كمبيوتر بإمكانها التأثير على البنى التحتية ولا سيما نحن الأن نشهد الشرارة الأولى لمفهوم الحروب السيبرانية التي برزت بوضوح في السنوات الأخير كخيار بديل عن نظيرتها التقليدية فالجنود مجهولون والميدان لا حدود له.



حول هذه القصة

إذا استمرت العقوبات الأمريكية على إيران سنشهد لفترة اضطرابات اقتصادية شرق أوسطية ستتجلى في عدم استقرار أسعار النفط وهروب رؤوس الأموال نتيجة لمخاوف المستثمرين وتذبذب بأسعار صرف العملات بشكل عام.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة