شعار قسم مدونات

التخدير السياسي وتزييف الوعي الشعبي

blogs-حرية

مصدر الفكرة هو العقل، إنما طريقة بروزها إلى النور فهي العاطفة. ولكي تؤثّر في الرأي الآخر عليك أولاً بإثارة عواطفه، ومن ثَمّ تخاطب عقله، وبهذه الطريقة تضمن استحكامك وتأثيرك في الرأي الآخر. لذلك قال أرسطو: "لكي يكون الإقناع مؤثرًا يجب توافر ثلاث عناصر: الثقة، المنطق، العاطفة".

 

الرأي العام هو ظاهرة إنسانية قديمة جدًا تمتد بامتداد الزمن الإنساني، لكن الإنسان بدأ يتلمس طريقه في الإمساك بمدلولاته، بشكل أكثر حكمة، مع أواخر القرن الثامن عشر، مع انتشار ظاهرة النمو السكاني السريع والعيش في المدن الكبرى التي أخذت فيها العلاقات الرأسمالية تتغلغل في النسيج الاجتماعي نتيجة النمو الصناعي الهائل الذي أحدثته الثورة الصناعية. ولم يكن التعبير عنه بمسماه الذي نتناوله ولكنه اقترب منه مثل "العقل العام" كما سماه مونتسكيو (1689 – 1755)، أو "الإرادة العامة" كما جاء عند جان جاك روسو (1712 – 1778)، وتشكل الثورة الفرنسية ومن ثَمَّ الثورة الأميركية أبرز حدثين كانا قد عبرا عن دور وقوة الرأي العام، وكيف أنه يفعل المعجزات إذا ما وجد القوة الحقيقية المعبرة عنه، ومنذ ذلك الحين أصبح للرأي العام دور كبير في صناعة الحوادث وفي توجيهها، كما أصبح محل استجداء من الحكومات والأحزاب نحو شعوبها.

 

والواقع أن الحكومات العربية، تتعامل مع الشعوب وفق نظرية صناعة الرأي العام، فيبدأ الموضوع بصناعة حدث مهم ليكون قضية الساعة والتي تهم شريحة كبيرة من المجتمع، ثم تقوم الجهة التي هي وراء إثارة القضية بتوجيه المناقشات التي تدور حول هذا الحدث بما يخدم أهدافها التي تسعى إلى تحقيقها، وحصيلة تلك المناقشات والآراء تُكون الرأي العام؛ الذي ينتج من خلال التفاعل بين الأفراد والجماعات مما يؤدي إلى رغبة الناس في إيصال أراءهم ومشاعرهم بالطريقة التي يرونها ملائمة بالنسبة لهم. 

  

منذ الثمانينيات أُدخِلت تحسينات متطورة، ومؤثرات عديدة، في عمليات صناعة الرأي العام أو إعادة تشكيله وفق مصالح وأهداف، إما سياسية أو عسكرية أو تجارية

ولأن صناعة الرأي العام تقوم على مخاطبة العقل والعاطفة لدى الجمهور، تعمل الأنظمة الحاكمة وخاصةً المستبدة في الدول الإسلامية أحيانًا على توجيه خطبة الجمعة؛ لأن فيها يرتبط العقل بالوجدان، والرأي العام يرتبط بهما، فالعقل يؤكد على المعلومات المتعلقة بالقضية، والوجدان يمد القضايا بالوقود النفسي اللازم لاستمرار القضية بحيث لا تنطفئ جذوتها. فعلى سبيل المثال؛ عندما سمح السلطان الصالح عماد الدين إسماعيل للصليبيين الفرنجة بشراء السلاح من أهل دمشق، خطب الشيخ العز بن عبد السلام (ت. 1262م) وأفتى بتحريم التعامل مع الصليبيين باعتبارهم محتلين، وقد كان لخطبته أثر كبير في الناس وتناقلوا حديثه، مما دعا الصالح عماد الدين إلى اعتقاله. المثير هو أن الفرنجة عندما علموا بقوة تأثير الشيخ العز بن عبد السلام قالوا لصديقهم الصالح عماد الدين إسماعيل "لو كان هذا قسيسنا لغسلنا رجليه وشربنا مرقتها".

  

ومنذ الثمانينيات من القرن الماضي أُدخِلت تحسينات متطورة، ومؤثرات عديدة، وأساليب جديدة، وتقنيات حديثة، في عمليات صناعة الرأي العام أو إعادة تشكيله وفق مصالح وأهداف، إما سياسية أو عسكرية أو تجارية. وقد ساهمت التحولات التي عاشها الإعلام العربي منذ التسعينيات في التبشير بالتأثير الإيجابي للفضائيات خاصةً في الرأي العام العربي بما يخدم تغيير وإصلاح الأوضاع المزرية في المنطقة العربية ككل. واليوم نستطيع تسمية عصرنا الحاضر بعصر المؤثّرات الإعلامية؛ ذلك لأنّ الإعلام وبفضل التقنية الرقمية والإنترنت أصبح سمة من سمات العصر الحالي، وأصبح المتحكّم في العقول والعواطف، اليوم أضحى الإعلام هو القوّة المؤثّرة التي لا يقلّ تأثيرها عن الأسلحة المدمرة.

   

في الحقيقة لا وجود لإعلام محايد فإما أن يكون الإعلام وسيلة لتحرير وعي الجماهير وتقديم الحقائق كما هي وتعرية واقع الظلم والاستبداد، وكشف ملفات الفساد والتشهير بالفاسدين، أو أن يكون وسيلة تدجين وتعتيم للحقائق ووسيلة للتلاعب بالعقول، وتزييف وعي الأمة وإشغالها عن همومها الحقيقية بأنواع من التسلية والترفيه وصناعة الاهتمامات التافهة التي تساهم في تبديد الوقت في غير طائل في اللغو والعبث الفارغ، وتتويه العقل في عمليات خداع ومبالغات وتضخيم لقضايا ثانوية وتهوين لما يستحق التعظيم.

  

فالسلطات التسلطية تتفنن في خداع المجتمع وتزييف الوعي وتحويل وسائل الإعلام إلى طبول وأبواق في زفة النفاق، وإشغال الناس عن قضاياهم الحقيقية بالحديث عن المنجزات الورقية، وتضخيم بعض الانجازات، والمبالغة في الحديث عن أخطاء ثانوية، وتجاهل الكوارث الكبيرة وفق ما يسمونه بالإمساك بصغار السمك والتغاضي عن الحيتان الكبيرة. ومن مظاهر تزييف الوعي الذي تمارسه ماكينة إعلام الهيمنة؛ المبالغة في الحديث عن انجازات وهمية أو ثانوية، وإلهاء الرأي العام عن المشكلات الحقيقية والاخفاقات المتوالية للنظام في أكثر من صعيد، وتبديد ثروات الأمة في أمور لا طائل منها وتضر أكثر مما تنفع.

 

ولعل أبرز من وظفوا واستثمروا وسائل الإعلام في تزييف الوعي هو جوزيف غوبلز (1897 – 1945) وزير الدعاية السياسية في عهد هتلر (1933 – 1945) وصاحب شعار "اكذب، اكذب، حتى يصدقك الناس"، فلا أحد يستطيع أن يفرض علينا أن نؤمن بما لا نريد، ولكن يستطيع وبسهولة أن يخدعنا لنؤمن بما يريد وبما يتماشى مع مصالحه، وهو يستند إلى تزييف المعلومات التي نبني عليها رؤيتنا للحياة، وبالتالي تصبح إرادتنا تابعة لمصدر هذه المعلومات الزائفة.

 

علمتنا السلطات الوطنية أن ننسى مأساتنا وأن نشعر أننا أقزام أمام حضرة القائد، وأن كل رئيس هو منقذ وممثل لسلطة إلهية لا يمكن تجاوزها

ومن الطرائق التي تساهم في قوة التأثير الإعلامي ما يعرف بالتأثير الكمي من خلال التكرار، وهو ما عبر عنه قائد الثورة البلشفية فلاديمير لينين (1870 – 1924) "تصبح الكذبة حقيقة إذا تم تكرارها بما يكفي"، حيث تقوم وسائل الإعلام بتقديم رسائل إعلامية متشابهة ومتكررة حول قضية ما أو موضوع ما أو شخصية محددة بحيث يؤدي هذا العرض التراكمي إلى التأثير على المتلقي على المدى البعيد، دون إرادة منه، شاء أم أبى، ومهما كانت قوة حصانة المتلقي ضد الرسالة الإعلامية، فيحدث هناك تسيير لا إرادي للمتلقي وتأثير شامل عليه بمعنى أن الإعلام يحاصره في كل مكان. ولهذا فإن كل تلك العوامل تؤدي إلى تقليل فرصة الفرد المتلقي في أن يكون لنفسه رأيًا مستقلاً حول القضايا المثارة، وبالتالي تزداد فرصة وسائل الإعلام في تكوين الأفكار والاتجاهات المؤثرة في الرأي العام وفى سلوكيات الأفراد أنفسهم.

 

ومع تطور وسائل الإعلام ووجود شبكة الإنترنت، اكتسحت تلك الرسائل المقنعة العالم وازدادت كيفية التأثير على كم هائل من الناس في الوقت نفسه، ازدياد مذهل، وهذه الثورة المعلوماتية نتج عنها انفجار معلوماتي وأصبح الناس مواجهون بآلاف الرسائل يوميًا وأصبح عليهم أن يستوعبوا هذه الرسائل ويعالجوها أسرع، وبعدها لا وقت لديهم للمزيد فالأسهل أن يختصروها بقبولها فورًا وبدون التفكير فيها.

  

والجدير بالذكر أن وسائل التواصل الاجتماعي تمكنت من أخذ هذا البعد على صعيد التأثير على الرأي العام نتيجة حلول الثورات العربية على تلك المجتمعات، فشبكات التواصل اكتسبت عبر مواكبتها مجريات الثورات وتطوراتها في مختلف الأقطار العربية، بعدًا جديدًا ربما لم تكن تتوقعه عند تأسيسها، ولعل توظيفها قدرتها التعبوية وتمكُّنها من تجييش العقول من خلال التركيز على سرد مساوئ الأنظمة القمعية وتفصيلها بالصوت والصورة والكلمة، غالبًا ما كان تمهيدًا لتحرك فعلي خارج عن إطار الطابع الافتراضي لشبكات التواصل. من هنا يمكن اعتبار أن الثورات العربية أحدثت نقلة نوعية في طابع هذه الشبكات، عن طريق تحويلها من تواصل افتراضي إلى واقع حسي ملموس ومعاش. وإذا كانت هذه الوسائل سميت في بداياتها بالعالم الافتراضي، لكنها أثبتت أنها ليست بمعزل عن الواقع المعيش، بل أنها شكلت في كثير من الأحوال مرآة لهذا الواقع يلجأ إليها الباحث لتحسس نبض الشارع والناس العاديين.

   

لقد علمتنا السلطات الوطنية أن ننسى مأساتنا وأن نشعر أننا أقزام أمام حضرة القائد، وأن كل رئيس هو منقذ وممثل لسلطة إلهية لا يمكن تجاوزها، ولا مجال لنا أن ننتقد الكامل والأمل والحلم الذي انتظرناه طويلاً ونحن خير أمة قد أخرجت للناس. لكن الذي يريد أن يبني أمةً ومجداً لا يلغي العقول التي هي مفاتيح المجد، والذي يريد أن يبني أمة لا يوجه خطابه إلى ما دون العقل ولا يستدر العواطف، فإن فعل إنما قصد أن يبني مجده الشخصي ويبحث عن مصالحه الذاتية، ولا سبيل إلى الأمجاد الشخصية إلا بإلغاء العقول ومحاربتها وتهجيرها، لأن مثل هؤلاء يريد شعبًا كالقطيع وعقولاً كالبالونات الفارغة.

  

وقد أثبتت التجارب الإنسانية فشل هذه السياسة قصيرة النظر على الصعيد السياسي لأن أساليب التخدير والاستقطاب، اعتمادًا على فرضية أن العقل الجمعي ساذج وبالإمكان اقتياده كما القطيع، "فقد تستطيع العبقرية أن تقلب الباطل حقًا إلى حين، لا إلى الأبد".