الأموال وحدها لا تكفي.. لماذا نتجاهل الأمراض النفسية للناجين من الحروب؟

النفس الإنسانية بطبيعتها هشة، سهلة الإنقياد، متزعزة، لهذا نراها تنقسم إلى عدة انقسامات وتتهاوى أمام كل ما يخالف طبيعتها التي خُلِقَت عليها، تلك النفس التي تبحث عن الأمان، الإستقرار، الراحة، البُعد عن العنف والترهيب وأي شيء يهدد استقرارها، لذا يبقى الإنسان يبني في نفسه ويطورها، ويستمر في تأسيس حياته حتى يأتي ذلك اليوم الذي يفقد فيه كل شيء في غمضة عين ومن دون أي سابق انذار، تأتي الحرب لتأكل الأخضر واليابس، لتَمحِي كل ما يعترض طريقها ويتحول الإنسان فيها إلى شيئين لا ثالث لهما؛ إما قاتل أو مقتول. تلك هي الحرب التي لا تملك ضميراً ولا إنسانية، هي التي لم يَسلَم من براثنها كبير ولا صغير، ما إن دَخلَت أرضاً حتى يتجرّع ساكنوها مرارة الألم والفقد والحرمان.

ذاق المواطنون في أراضي الصراع من الألم ما يفوق طاقاتهم، فشعور أن تفقد منزلك الذي أمضيت حياتك به، وأن ترى جسد صديق طفولتك قد قُطّع إلى أشلاء في منتصف الطريق أو أن تسمع صوت نحيب أخاك في وسط أحلامك، الذي مات أسفل الأنقاض ولم يكن بإمكانك فعلُ شيءٍ لإنقاذه هو أمرٌ سيبقى عالقٌ في ذاكرتك لا محالة وينهشك من داخلك دون أدنى شك. تسارع الوقت وتقدم الزمن، قد يكون الإنسان قد صنع شيئاً ليفيد به أخيه الإنسان، ولكن في ذات الوقت صنع ما يبيد به العالم ويدمرهم نفسياً وجسدياً. ظهرت التكنولوجيا وفي نفس الوقت ظهرت الأسلحة الفتّاكة، التي لم يتم توجيه بنادقها لبناء العالم بل تم توجيهها في وجه الأبرياء الذين لا حول لهم ولا قوة، خطفت منهم أبناءهم من بين أحضانهم، دمرت أي ذكرى لهم وتركتهم يلهثون وراء خيالاتهم.

من أكثر الحالات التي تصيب الناجين من براثِن الموت: هلوسات سمعية وبصرية، اضطراب النوم وخفقان القلب الشديد، الشعور الدائم بالخوف واهتزاز في الجسد، القهر والشعور بالدونية، قلة الثقة بالنفس

يشكّل الناجين من الحروب نسبة كبيرة من مجتمعاتنا الحالية، ونتابع بإهتمامٍ دائم الأعداد المهولة التي تزداد يوماً بعد يوم، نفكّر دائماً بحاجاتهم الماديّة، وفئة كبيرة من فاعلين الخير يسعون لتوفير المأكل والمشرب لعدد من هذه العائلات، حاولنا كدول تغطية حاجاتهم الأساسية ولكنّا تناسينا حاجاتٍ أهم من ذلك كله، ألا وهي حاجاتهم النفسية. بعد الحرب العالمية الأولى ظهر مصطلح يعرف بـ"تفاعل كرب القتال" أو "اجهاد المعركة" وهو مصطلح يطلق على الجندي الذي يصاب بصدمة نفسية بعد نجاته من الحرب، فالجندي الذي يدخل في اشتباكٍ مسلّح ويَعتَبِر أن نجاته تُقدّر ١٠ بالمِئة أو أقل من ذلك، تعتلّ أعصابه وتتلف ليدخل بعدها بدوّامة نفسية صعبة العلاج. فإن كان الجندي الذي يُلقي القذائف من الطائرة يصاب بأمراضٍ واعتلالات نفسية، فكيف الذي يسمع صوتها، وينتظر سقوطها على منزله ليُكوى بنارها التي ستنال منه ومن أفراد عائلته عاجلاً أم آجلاً؟!

لو تم متابعة الحالات النفسية للأطفال الناجين من الحروب فالنتيجة ستكون مفجعة لا محالة، عدد كبير من الأطفال يعانون من القلق الدائم والشعور بعدم الأمان والخوف الرهيب من رؤية الدم حتى لو كان كمية قليلة منه. والمخيف أن الأمراض النفسية لا تميّز بين صغير أو كبير، تصيب الجميع دون أي تمييز أو عنصرية، وكانت من أكثر الحالات التي تصيب الناجين من براثِن الموت: هلوسات سمعية وبصرية، اضطراب النوم وخفقان القلب الشديد، الشعور الدائم بالخوف واهتزاز في الجسد، القهر والشعور بالدونية، قلة الثقة بالنفس، فقدان الشهية بسبب الخوف وبسبب تذكّر المشاهد المفجعة التي حُفِرَت في أعينهم قبل ذاكرتهم.

كل هذه الحالات تؤدي بالمصاب إلى الاكتئاب أو الإصابة بمرض الانفصام أو مرض الشيزوفرينيا، وقد تؤدي بالبعض إلى حملهم للسلاح أو تعاطيهم للمخدرات. لم أذكر في هذا المقال إلا بعضاً من أهوال الحروب ونتائجها التي تكوي فؤاد من عايشها ومن بقي في نفسه ولو ذرة صغيرة من الإنسانية. هم ليسوا قلّة، هم فئة كبيرة تعاني وتجازف يومياً للبقاء على قيد الحياة، لك أن تسأل نفسك، هل قابلت ناجٍ من حربٍ دامية؟ كيف ساهمت في مساعدته والوقوف إلى جانبه؟ ليس لكونك فاعلاً للخير بل لكونك إنساناً.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة